د. طه جزاع

حوار مع الأكاديمي والاعلامي العراقي الدكتور طه جزاع

حاوره: ريسان الفهد*

** الأسئلة المحرجة قد تكون ضرورية للإثارة والتشويق وشد المشاهد إن لم تتعد حدود الذوق العام!

بعد ان تجاوز بعض مقدمي البرامج في بعض القنوات الخطوط الحمر في موضوع الذوق العام واحترام المتلقي ..تحت شعار (الطشة ) مما اساء للمهنة والاعلام العراقي عموما ..علما ان اغلب القنوات تعمل خارج العراق ولها جمهور عربي ما يعكس شخصية الواقع العراقي وخصوصا النساء من خلال النيل من سمعة الفنانات او نبش بعض الخصوصيات التي تنعكس بالاساس على المراة العراقية عموما والشباب ايضا..

ضمن سلسلة من الحوارات مع اعلاميين ومختصين وحتى متلقين من النخبة كي نضع النقاط على الحروف ونتمنى من القنوات المعنية الانتباه لخطورة هذا الهبوط في البرامج..

حوارنا اليوم مع الاعلامي الاستاذ الدكتور طه جزاع :

الدكتور طه جزاع كاتب وصحفي وأكاديمي ، مزج بين عمله الصحفي ودراسته الفلسفية منذ العام 1975 وحاول مواصلة تحصيله الأكاديمي من دون أن يفقد متعة ذلك العمل وشغفه بالكتابة ، على الصعيد الأكاديمي حصل على شهادة الماجستير في الفلسفة اليونانية سنة 1990 وعلى شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 1994 ، كما حصل على مرتبة الأستاذية منذ سنة 2010 . كتب العمود والمقال الصحفي منذ الثمانينيات ورأس تحرير عدد من الصحف والمجلات مثل ” المصور العربي ” و ” الزوراء ” و ” الإعلام ” و ” الأيام ” و ” الوطن ” . صدر له في الفلسفة كتاب ” يوتوبيا ” وفي المقال الصحفي كتاب ” ابتسم أنت في بغداد ! ” وفي أدب الرحلات كتاب ” فوق الغيوم تحت الغيوم ” الذي فاز بجائزة ناجي جواد الساعاتي لأدب الرحلات لسنة 2018 وصدر مؤخراً عن دار غراب في القاهرة ، يصدر له قريباً كتاب ” كابوس ليلة صيف ” عن دار الحكمة في لندن .

* : ماهي مواصفات مقدم البرامج ؟

– صفات مقدم البرامج هي صفات المتحدث اللبق نفسها ، وكلاهما يجب أن يتمتع بشخصية كاريزمية تفرض حضورها على الجالسين وعلى المشاهدين . لكن بما أن المقدم يتحدث لجمهور أوسع كثيراً من جمهور الجلسات الاجتماعية فعليه فضلاً عما يتمتع به من كاريزما أن يكون على قدرٍ كافٍ من اللياقة والذكاء واللباقة والثقافة العامة وخفة الظل وطرافة الحديث وحلاوة الروح وبشاشة الوجه وانشراح الأحاسيس وحسن التخلص من الإحراج ، وقد يحتاج إلى توجيه وتدريب ومرانٍ قبل أن يواجه الجمهور .

* : بعض الفنانين ركبوا موجة تقديم البرامج ، مما أثر بعضهم على ذائقة المتلقي . من المسؤول عن ذلك ؟

-لا أرى عيباً أو نقصاً في أن يكون الفنان مقدماُ للبرامج إن إمتلك المواصفات التي تؤهله لذلك ، ولا أفهم ما الذي تعنيه بالتأثير على ذائقة المتلقي ؟ هل تقصد أن الفنان يمكن من خلال التقديم أن يسهم في هبوط هذه الذائقة أم يرتقي بها كما أفترض بالفنان الحقيقي ؟ عموماً فإن ” ذائقة ” المتلقي تتلقى على مدار الساعة سيلاً من المشاهد والصور والكلمات عبر المرئيات والمسموعات والمطبوعات ومواقع التواصل والصفحات الإلكترونية التي يمكنها أن تخرب هذه الذائقة وتدمرها ، ولا يقتصر الأمر على ” فنان ” يحاول من خلال تقديم البرامج أن يؤثر سلباً على ذائقة المتلقي المصونة ! ربما إلا في حالات محددة يخترق فيها هذا ” الفنان ” حاجز الذوق والأدب واللياقة العامة بشكل واضح ومقزز ، وأظن إن ذلك لا يحدث كثيراً .

* :يذكر البعض أن هناك مجاملات ومحاباة من قبل المخرجين والمعدين أو ادارة المؤسسة الإعلامية في اختيار المقدم . ماهو رأيك ؟

– بالتأكيد فإن أي عمل لابد وأن تتدخل فيه بشكل مباشر أو غير مباشر العلاقات والمجاملات والمحاباة ، وتلك من بديهيات الحياة ، وأحياناً تكون ايجابية باتجاه تطوير العمل إن كان الذي يتمتع بمثل هذه المجاملات والمحاباة مؤهلاً لأن يأخذ فرصته سواء في المؤسسة الإعلامية أو غيرها . لكن كل هذه المزايا لا يمكنها أن تحول الفاشل إلى ناجح سيما وأن نتائجها ستكون منظورة للناس من خلال العمل التلفزيوني والإعلامي بالذات . إن كل وسائل الاهتمام والرعاية والمجاملة والمعاملة الخاصة لا يمكنها أن تصنع من البشاعة جمالاً ، ولا من الفشل نجاحاً .

* : بعض مقدمي البرامج يحاول ترويج برنامجه أو ترويج نفسه بإثارة الفضائح أو محاصرة الضيف بأسئلة محرجة جداً قد يكون بعضها يمتاز بالخصوصية ؟ ما هو رأيك ؟

– الأسئلة المحرجة قد تكون ضرورية للإثارة والتشويق وشد المشاهد إن لم تتعد حدود الذوق العام ، أما أسلوب اثارة ” الفضائح ” فذلك يخرج عن قواعد اللعبة السليمة ، وقد يخرج عن القواعد الأخلاقية للعمل المهني ، فالضيف ينبغي أن يعامل بكل ما تقتضيه أصول الضيافة من تقدير وكرم واحترام ولطف في المعاملة وذوق في الكلام ، وأن تُحترم خصوصياته التي يحرص أن لا يتطرق إليها إلا اذا كان راغباً بالتحدث عنها بمحض اراداته وحريته ومسؤوليته .

* : مقدم برنامج يظهر بملابس لا يحترم بها المشاهد مثل التيشيرت أو القميص الذي يحمل كتابات باللغة الانكليزية قد تكون دعاية أو اسم شركة ، ما هو تعليقك ؟

-أرى إن احترام المشاهد لا يكون بالملبس وحده ، فقد يكون المقدم أو الضيف في كامل اناقته الرسمية لكنه لا يحترم المشاهد من خلال العديد من الممارسات والايماءات والكلمات وخلط الحقائق التي تنم عن استصغار لفهم المشاهدين ومداركهم ، أما ارتداء المقدم لملابس تحمل دعاية لشركة فذلك أمر طبيعي في التربح والترويج التجاري للقنوات التي تحتاج إلى الدعم المالي ، على شاكلة النوادي الرياضية التي يرتدي لاعبوها في مبارياتهم قمصاناً تحمل علامات أو أسماء لشركات أو دول ترعاها خلال مدد زمنية محددة بعقود اعلانية تجارية . كما أن هناك برامج ناجحة تقف وراءها مؤسسات وشركات تهدف إلى الترويج الإعلاني لمنتوجاتها ، وهذا من باب تبادل المنفعة التي لا تجلب ضرراً ولا تؤذي أحداً .

* : بعض مقدمي البرامج يحاول إبكاء الضيف بكل الوسائل ويعدهُ نصراً له ؟

– بسبب تعدد الفضائيات ، وتعدد البرامج ، يحاول كل مقدم أن يبرز ما لديه من مهارات قد تميزه عن الآخرين ، حتى لو كان ذلك من خلال ما أسميته ” إبكاء ” الضيف ! والحقيقة ان بعض الضيوف لن يتمكن أعتى المقدمين وأبرعهم في استدرار دموعهم لأن عيونهم عصية على الدمع أصلاً وقلوبهم قُدت من صخر ، لكن ضيوفاً آخرين من رقيقي القلوب والعاطفة تختبئ الدموع المدرارة خلف أجفانهم ، وتسيل في أي تماس عاطفي لذكرياتهم وأحزانهم ، وذلك لا يمثل مثلبة في الأحوال كلها إن لم يكن ميزة لهم . وهو لايمثل هزيمة لهم مثلما لا يمثل ” نصراً ” للمقدم .

* : ألا تتفق معي بأن أغلب مقدمي البرامج يأـتون دون استعداد أو تدريب مهني على العمل ؟ لماذا يحصل ذلك ؟

-ذلك لأنهم يتدربون من خلال العمل على الهواء مباشرة ، وذلك أشبه بتدريب الجندي على استخدام السلاح أثناء خوضه المعركة ! بالتأكيد فإن العمل الإعلامي هو ” صنعة ” تحتاج إلى التدريب مع توفر الاستعداد والمهارة ، وأفترض إن في كل مؤسسة إعلامية جانب تدريبي يؤهل المقدمين لمختلف أنواع البرامج .

* : بعض القنوات تفرض على الضيف التوقيع على تعهد بعدم ترك البرنامج حتى نهايته ، ولا يحق له طلب حذف معلومة أو سؤال بعد الانتهاء من اللقاء ؟ علماً أن الضيف قد يستعجل في إجاباته وقد تسبب له مشاكل اجتماعية أو أمنية تهدد حياته ؟

-هذا أمر فيه إجحاف للضيف وإحراج لا مسوغ له ، وأظنه يفتقد إلى الحرص واللياقة وحسن المعاملة واحترام الخصوصية ، إن بعض الضيوف وربما أغلبهم يطمئنون في البرامج المُسجلة التي لا تُبث مباشرة إلى أنهم يمكن أن تتاح لهم فرصة حذف بعض الاجابات التي تحمل معلومات خاطئة أو مواقف تسبب لهم حرجاً أو خطورة فيتمادون في الصراحة وإطلاق الكلام على عواهنه مثلما يقال ، ومن باب المسؤولية واحترام الخصوصية ينبغي أن يعطى لهم الحق في حذف الاجابات التي لا يرغبون فيها لكنهم تسرعوا فيها بسبب الحماسة أو الانفعال ، ولكي لا نحمل القنوات المسؤولية كلها ، فإن على الضيف أيضاً أن يحصن نفسه من التسرع والانفعال ، وأن يتحدث في البرامج المُسجلة وكأنه يتحدث على الهواء مباشرة ، ولا بأس من إشعاره إن البرنامج يُبث على الهواء مباشرة للتخلص من مثل هذه الاحراجات والمواقف المزعجة !

* : مقدم يسأل ضيفته الفنانة أو الإعلامية عن أدق تفاصيل حياتها الخاصة ، زواجها وطلاقها وعلاقتها العاطفية ومن أين لك السيارة والبيت وغيرها ؟

-هذا يعتمد على استعداد الضيفة ورغبتها في الحديث عن حياتها الخاصة من عدمها ، ويفترض أن المعد أو المقدم قد اتفقا مع الضيفة على الخطوط العامة للأسئلة التي توجه لها قبل تسجيل البرنامج ، كما أن طبيعة البرنامج هي التي تحدد إن كان يُعنى بالحياة الشخصية للضيف أم لا ؟ علماً إن أغلب المشاهدين تستهويهم الأسئلة التي تتناول الحياة الشخصية للضيف أو الضيفة !

* :احدى الضيفات وجهت كلاماً للمقدم بعد الأسئلة قائلة ( لماذا لا تسمي برنامجك ملهى ) أو ( إن أسئلتك سخيفة ) ؟

-لا أعرف من تقصد تحديداً بالضيفة أو المقدم أو البرنامج أو القناة ، أو أن هذه الحالة حدثت فعلاً أم لا ؟ عموماً هذا يمثل هبوطاً وتدنياً مريعاً في لغة الحوار كثيراً ما سمعناه وشاهدناه في حوارات سياسية وبرامج مُعتبرة يتم فيها تبادل الشتائم والاتهامات والكلمات النابية ! أظن هذه ” الضيفة ” التي تذكرها ما كانت تصل إلى هذه اللغة لولا انها تعرضت لاستفزاز مقابل أدى بها إلى استخدام مثل هذه الكلمات القاسية التي كان من الأفضل حذفها من البرنامج إن كان لا يُبث بثاً مباشراً .

*:هل أنت مع مقدم البرامج المتخصص أم يجب أن يكون شاملاً في الفن والرياضة والاقتصاد والسياسة ؟

– أنا مع التخصص في العمل ، ومنه عمل المقدمين فذلك أكثر ملائمة وقبولاً لدى المشاهد ، وأكثر تطويراً وخبرة للمقدم. هل كنت كمشاهد ستقتنع لو قدم مؤيد البدري برنامجاً سياسياً ، أو قدم كامل الدباغ برنامجاً ترفيهياً ،أو قدم حسام حسن برنامجاً فنياً ؟! وهل ستقتنع بعباس حمزة وهو يقدم برنامجاً للرشاقة ، أو عامر إبراهيم وهو يقدم طبخة اليوم ، أو أحمد ملا طلال مقدماً لبرنامج مقامات عراقية ، أو نبيل جاسم مقدماً لبرنامج مسابقات رمضانية ؟!

* : هل أنت راضٍ عن البرامج في القنوات العراقية من حيث الرصانة والتنوع والمهنية ؟

– ليس الأمر أن أكون – كمشاهد فرد– راضياً أم لا ، فالقناة كوسيلة توعية وتنوير وتثقيف وترفيه هي التي تقرر وتقدر استجابة عموم الجمهور لبرامجها من حيث الرصانة والتنوع والمهنية ، ويمكن في هذا المجال أن تعتمد على المقاييس العلمية لقياس الرأي العام التي تنجزها وتحلل مضامينها وتخرج بنتائجها جهات أكاديمية ومراكز بحثية رصينة .

* : هل أنت متفائل بقناة mbcعراق ، وهل ستستقطب المهارت الفنية والثقافية العراقية ؟

– أنا مع التنوع والتعدد في العمل الإعلامي وفي جانبه التلفزيوني والفضائي تحديداً ، فكل قناة جديدة لا بد انها تعتمد منهاجاً جديداً وربما مختلفاً بعض الشيء لتنافس فيه القنوات الأخرى ، وقد شاهدنا لحد الآن بعض اللمسات الجديدة في برامج أم بي سي عراق تلامس نبض العائلة العراقية ، وكذلك استقطابها لعدد غير قليل من الممثلين المعروفين فضلاً عن برامجها باستضافة شخصيات لها حضور واسع لدى المشاهدين ، والمهم في الأمر كله هو المنافسة التي هي محفز التجديد والابداع ، فقد عملت قنوات فضائية عراقية أخرى على تنويع وتجديد برامجها والتهيؤ لأعمال فنية جديدة ومسلسلات تلفزيونية استقطبت لأجلها العديد من المخرجين والممثلين الذين كانوا خارج العراق لمدة طويلة ، وما كان ذلك يحدث لولا ( التحدي والاستجابة ) غير أن مقياس النجاح الحقيقي لهذه القنوات سيكون في شهر رمضان المبارك حيث تحتد المنافسة السنوية بين القنوات الفضائية لكسب المشاهدين في العراق وعموم البلدان العربية .

ريسان الفهد / كاتب وصحفي

رئيس تحرير وكالة المرسى نيوز


اضف رد