شعراء عراقيون منذ المتنبي.. يجمعهم المنفى

ميز الكاتب الدكتور علي ناصر كنانة بين ما يسميه الشعور بالاغتراب في داخل الوطن وبين المنفى وما ينتج عنه من شعور بالغربة في الخارج. وقال “حيثما وجد الناس استبد ببعضهم الشعور بالاغتراب في الزحام او حاصرت بعضا آخر فكرة الذهاب الى المنفى. في الحالين اغتراب وفي الحالين منفى. ومنعا لاي لبس في المفاهيم اجد من الضروري التأكيد على التمييز بين الاغتراب اي الشعور بالغربة داخل الوطن وبين المنفى وما يتبعه من شعور بالغربة خارج الوطن”. المؤلف العراقي قال في مقدمة كتابه “المنفى الشعري العراقي.. انطولوجيا تاريخية للشعراء العراقيين في المنفى” انه في مجال الحديث عن الشعراء العراقيين في المنفى “ارتأينا ان يكون الاستهلال بالمتنبي الذي ولد بالكوفة ومات على مقربة من الكوت وزخر شعره بذكر العراق”. “والعراق بالنسبة لنا غير محصور بكيان الدولة الحديثة كما يروق للبعض القول بهذا التحديد التعسفي وانما هو هذه البقعة من الارض في وادي الرافدين التي قامت فيها الحضارات الكبرى وكانت عراقا يفخر ابناؤه بالانتماء اليه”.واضاف كنانة يقول ان مفهوم المنفى في كتابه “يدل على ارتباط الاضطرار الى المنفى بالاضطهاد السياسي. ولتحديد المفهوم بشكل ادق يعني المنفى في هذا السياق وفي اي سياق آخر كما ارى.. الاقامة الاضطرارية في بلد آخر بسبب من القمع والملاحقة او غياب الحريات بشكل عام او محاولة الحفاظ على الحياة الشخصية من خطر محدق بها ناتج عن طبيعة الاوضاع السياسية في الوطن”. “وتوصّف البروفسورة الينكا زاريفوبول جونستون من جامعة انديانا (الاميركية) المنفى بأنه “حالة من التشرد والانفصال والاقتلاع”. ومن الغريب ان نضطر للتفكير به بل ومن الرهيب ان نعيشه كما كتب ادوارد سعيد في مقاله ‘تأملات في المنفى’. بينما يظل الشعور بالاغتراب داخل الوطن اقل حدة من كل هذا التوصيفات بالرغم من ابتلائه بمشاكل من نوع آخر”.
وقد تألف الكتاب من 207 صفحات متوسطة القطع وصدر عن مؤسسة الرحاب الحديثة في بيروت. وقال كنانة ان “بعض الظروف التاريخية تملي على عدد من مثقفي وكتاب الامة البارزين ان يبحثوا عن حرية شخصية بقدر ما يبحثون عن حرية فنية كما كانت الحال في المانيا قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال عندما غادر البلاد العديد من الكتاب الليبراليين المعادين للنازية… وخلقوا جسما موازيا من الادب الالماني يكتب خارج المانيا خلال تلك الفترة”.
واضاف يقول “ولكن اية اقامة اخرى خارج الوطن مستندة الى اسباب ودواع اخرى تعتبر هجرة وأدبها ادب مهجر كما هي الحال بالنسبة لجبران خليل جبران وايليا ابي ماضي وميخائيل نعيمة. والفرق بين المنفى والمهجر كالفرق بين الوجع والترف”.
“ولكننا في هذا الكتاب ادرجنا المضطرين الى مغادرة العراق لاسباب اقتصادية خانقة ناتجة عن وضع سياسي مضطرب ضمن فئة المنفى لاسباب اعتبارية او تاريخية او منهجية. ولكل بلاد او شعب في العالم تاريخ من المنفى وادب منفى ويعج هذا التاريخ بأسماء كبيرة اقامت مددا متفاوتة في المنفى ولمعت في فضاءاته”. وأورد هنا اسماء كثيرة منها اشعيا وأوفيد ودانتي وبترارك وفولتير واللورد بايرون وشيلي وفيكتور هوغو وهاينريش هاينه وأوسكار وايلد وهنري جيمس وجيمس جويس وجوزف كونراد وتي.إس إليوت وعزرا باوند وصمويل بيكيت وإرنست همنغواي وسكوت فيتزجيراد وتوماس مان ويوجين يونسكو وميلان كونديرا وألكسندر سولجنستين وفلاديمير نابوكوف وإدوارد سعيد وآخرون غيرهم.
وقال ان ادب المنفى يحاول “تغذية الذاكرة الجماعية وثقافة الافراد الذين يجدون انفسهم مشردين خارج اوطانهم. ففي كتابها “جدليات المنفى: الامة والزمن واللغة والمكان في آداب اللغة الاسبانية” وهي دراسة مقارنة حول كتابة المنفى تقدم صوفيا مكلينين نظرية لكتابة المنفى وترى ان ادب المنفى يفهم بشكل افضل على انه سلسلة من التوترات الجدلية حول الهوية الثقافية. وتابع “فنحن نقيم في الذاكرة والوطن.. ذاكرة ننهل منها كي تستقيم الحياة ولكي نقاوم واقع الغربة. والمنفى في الادب ليس مجرد قصة بل ايضا بنية كما كتبت سيلوا لوست بولبينا”. وقال “يتضمن هذا الكتاب جهدا تاريخيا شبه توثيقي قمت به عام 2006 بغية تحرير انطولوجيا للشعراء العراقيين في المنفى عبر رموز معروفة لان النزوحين الكبيرين خلال فترة الحصار 1991-2002 وبعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 صعبا من مهمة حصر جميع الاسماء”. واضاف “عانى الكثير من العراقيين من وطأة الشعور بالغربة في وطنهم من جراء التهميش والاضطهاد او الظلم طوال عمر الدولة العراقية الحديثة. فهناك دائما فئة او فئات مهمشة لا دور حقيقيا لها في صناعة قرار الحياة في الوطن او حاضره او مستقبله”. ورأى انه “يمكن تقسيم هجرة الشعراء العراقيين الى المنفى الى عدة مراحل: الهجرات الاولى: ابو الطيب المتنبي الى مصر وأبو زريق البغدادي الى اسبانيا. هجرات مبكرة: عبد المحسن الكاظمي الى القاهرة وأحمد الصافي النجفي الى دمشق. هجرة الستينات: محمد مهدي الجواهري الى براغ وسعدي يوسف الى الجزائر. هجرة اواخر السبعينات: الشعراء اليساريون الى البلدان الاشتراكية وبعض الدول العربية وخصوصا سوريا واليمن الديمقراطية (عدن) ودول الخليج. هجرة الثمانينات: تداعيات الحرب العراقية الايرانية: الى ايران ثم سوريا ثم اوروبا الغربية. هجرة التسعينات: تداعيات حرب الكويت وفترة الحصار على العراق: هجرة الى جميع اصقاع الارض. هجرة ما بعد 2003: تداعيات مرحلة الاحتلال: هجرة الى البلدان العربية خصوصا الاردن وسوريا والامارات وبعض الدول الغربية. “وخلال المنفي الشعري العراقي حدثت تحولات وأحداث كثيرة ابرزها ولادة تجارب شعرية جديدة ومختلفة في المنفى والامتداد الزمني للمنفى”. وقد تناول المؤلف كلا من هؤلاء الشعراء في فصل خاص معرفا به ومتحدثا عن نتاجه ومقدما بعض هذا النتاج.

  • Related Posts

    الماركسية والتمركس والماركسلوجيا كتاب جديد للمفكرعبد الحسين شعبان

    بيروت / محمد بكر  * دار النهار في بيروت صدر كتاب جديد للمفكر والأكاديمي العراقي د. عبد الحسين شعبان وحمل عنوان ” الماركسية والتمركس والماركسلوجيا” وهو يتناول من موقع نقدي…

    حرب بلا رحمة … وعنف بلا حدود قراءة في قصة (سيمفونية الرماد) للمثقف الانتحاري محمد رشيد

    *عبد الحسين شعبان حين طلب مني محمد رشيد القاص والمثقف الناشط الميساني “العمارتلي” نسبة إلى محافظة – ميسان /العمارة، أن أقرّض قصّته القصيرة “سيمفونية الرماد” ليضعها في صدر المطبوعة التي…

    اترك تعليقاً

    لا يفوتك

    الشيخة بدور القاسمي تكرّم الفائزين بجوائز معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026

    الشيخة بدور القاسمي تكرّم الفائزين بجوائز معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026

    صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة يفتتح الدوره 45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب

    صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة يفتتح الدوره 45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب

    يوم المثقف العراقي: يومٌ لم يُتفق عليه… يوم اتفقنا عليه

    يوم المثقف العراقي: يومٌ لم يُتفق عليه… يوم اتفقنا عليه

    اغتيال الأكاديميا في العراق: حين يُهمَّش العلم والعلماء وتنهار الدولة

    اغتيال الأكاديميا في العراق: حين يُهمَّش العلم والعلماء وتنهار الدولة

    شهلاء شاكر ابنة الرافدين وسفيرة السلام تحتفل بثماني سنوات من العطاء الإنساني

    شهلاء شاكر ابنة الرافدين وسفيرة السلام  تحتفل بثماني سنوات من العطاء الإنساني

    ثانوية لانا تحتفي بتكريم المتفوقين وأمٌّ لم تكمل دراستها.. وأبناؤها يحققون حلمها

    ثانوية لانا تحتفي بتكريم المتفوقين وأمٌّ لم تكمل دراستها.. وأبناؤها يحققون حلمها

    Primary Color

    Secondary Color

    Layout Mode

    Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961