*محمد رشيد
حين يُكتب تاريخ الثقافة العراقية لا يُقاس الزمن بالسنوات وحدها بل بالتحولات الفكرية والمنعطفات التي تكرّس هوية الأمة في وجدان أبنائها.
ومن أعمق هذه المحطات قصة اختيار “يوم المثقف العراقي”، تلك الرحلة التي بدأت بتعثر واختلاف وانتهت بإجماع وطني خلّاق.
في الثامن والعشرين من يونيو لعام 2007 نشر المفكر والمؤرخ العراقي الدكتور سيّار الجميل مقالته الشهيرة (يوم المثقف العراقي .. يوم لم يتفق عليه) التي سلط فيها الضوء على معضلة بالغة التعقيد هي صعوبة اختيار يوم خاص للاحتفال بالمثقف العراقي.
لم يكن العجز نابعاً من غياب الرؤية لدى “مجلس عراقي للثقافة” الذي انعقد آنذاك في عمّان -رغم تخصيص ميزانية ضخمة بلغت نحو 400 ألف دولار- بل كان انعكاساً لطبيعة المثقف العراقي المتفردة المليئة بالتنوع والتعددية والتي حالت دون توافق النخب على رمزية أو تاريخ محدد يجمع شتاتهم تحت سقف زمني واحد ، لكن الانعطافة الكبرى هي اصرارنا المتواصل على ان نحول (شتات التردد) إلى (ثبات وإرادة) ، وعلى الرغم من سوداوية المشهد الأول وتعثراته أبى العقل الثقافي العراقي إلا أن يفرض حضوره من قلب التحديات، ففي 25 نوفمبر 2011 جاء “مؤتمر القمة الثقافي العراقي” بعد مخاض عسير ليصادر كل الخلافات السابقة ويوصي باعتماد الخامس والعشرين من نوفمبر يوماً رسمياً للمثقف والثقافة العراقية.
لم يكن هذا التاريخ مجرد رقم في تقويم بل تحول إلى كرنفال سنوي متجدد ينبض بالحياة والإبداع ويحتفي بدور المثقف العراقي الذي ظل شعلة منارة وسط كل الظروف العاصفة والتحديات .
ها نحن اليوم نقف على أبواب الذكرى الخامسة عشرة لهذا اليوم المجيد لنوجه تحية إجلال وتقدير لكل قلم حر وصوت واعد آزر هذه المسيرة منذ انطلاقتها الأولى إن يكتب وينشر أفراحه وأمانيه المستقبلية الخاصة والعامة للاحتفاء بيوم المثقف العراقي هذا اليوم المجيد الذي لم يعد ترفاً فكرياً بل هو تجديد للعهد بأن تبقى الثقافة العراقية الحصن الأمين للوعي، والنبض الحقيقي للهوية الوطنية الجامعة.






