الدكتور عادل الحيدري

لم يعد الخراب الذي أصاب العراق مقتصراً على ما خلّفته الحروب والإرهاب من دمار في المدن والبنى التحتية؛ فثمة خراب أشد خطورة، لأنه يستهدف مستقبل البلاد وقدرتها على النهوض، ويتمثل في تقويض مؤسسات العلم والمعرفة، وإفراغ الشهادات الأكاديمية من قيمتها، وتهميش الكفاءات الحقيقية، مقابل تضخم الألقاب والمواقع التي لا تستند بالضرورة إلى استحقاق علمي أو مهني. والمفارقة أن داعش كان يهدم صروح العلم، بينما يجري اليوم تقويض العلم من داخل مؤسساته، وتفريغ الشهادات من قيمتها، وتحويل الألقاب الأكاديمية إلى أدوات للترقي الوظيفي والسياسي. والمقارنة هنا ليست بين طبيعة الجريمتين أو مسؤولياتهما، بل بين حجم الأذى الذي يلحق بمستقبل العراق حين يصبح العلم نفسه ضحية للإهمال والفساد.
لقد شهد العراق خلال السنوات الماضية تدفقاً واسعاً لشهادات الدراسات العليا من جامعات خارج البلاد، ولا سيما من إيران ولبنان، وأثارت ملفات عدد منها تساؤلات جدية بشأن سلامة إجراءات الدراسة والبحث والاعتراف الأكاديمي، فضلاً عن اتهامات بوجود شبكات للاتجار بالشهادات وتسهيل الحصول عليها خارج الأطر العلمية الرصينة. ومهما اختلفت الأرقام والتقديرات، فإن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في عدد الشهادات وحده، بل في ما تتركه من آثار مدمرة على قيمة التعليم العالي ومصداقية مؤسساته. فالشهادة التي تُنال من دون دراسة حقيقية، واللقب الذي يُكتسب من دون بحث وجهد، لا يمثلان مجرد تجاوز إداري؛ إنهما اعتداء على حقوق آلاف الباحثين الذين أمضوا سنوات من أعمارهم في التحصيل العلمي، وعلى حق المجتمع في أن يتولى شؤونه أصحاب المعرفة والخبرة والكفاءة. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأمة ليس أن ينتشر فيها الجهل فحسب، بل أن يحصل الجهل على شهادة رسمية ولقب أكاديمي وموقع سلطة، ثم يتحدث باسم العلم. وحين يتكاثر أصحاب الألقاب على حساب أصحاب المعرفة، لا تتراجع قيمة الجامعة وحدها، بل تتسع دائرة الضرر لتشمل التعليم والاقتصاد والصحة والإدارة والقانون وسائر مؤسسات الدولة. فالمسؤول غير المؤهل لا يكتفي بإشغال موقع لا يستحقه، بل قد يتخذ قرارات تمس حياة الملايين، بينما يُدفع أصحاب الخبرة الحقيقية إلى الهامش أو إلى مغادرة البلاد. سلمان الرواف..
حين يُهمَّش العالم ويُحتفى باللقب لعل ما جرى مع العالم والأكاديمي العراقي الأستاذ سلمان الرواف، أستاذ الصحة العامة في إمبريال كوليدج لندن، خلال مشاركته في مؤتمر التعليم العراقي الثالث بجامعة بغداد في 31 تشرين الأول اكتوبر 2026، يقدم صورة مؤلمة عن المفارقة بين الخطاب الرسمي حول تطوير التعليم والواقع الذي يواجهه العلماء العراقيون. فقد أظهرت المشاهد المتداولة سحب الميكروفونات أثناء حديثه، في واقعة أثارت استياءً واسعاً، ولا سيما أن الرجل جاء من واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم، حاملاً تجربة علمية ومهنية كان يفترض أن تكون موضع تقدير وإنصات. وكان الرجل قد قطع آلاف الأميال للمشاركة في مؤتمر يُفترض أنه معني بمستقبل التعليم في العراق، فإذا به يعبّر عن خيبة أمله بالقول: «جئت 5000 ميل لكي لا يسمعني أحد».
ولم تكن كلماته مجرد عتاب شخصي، بل اختزلت شعوراً بالمرارة إزاء واقع يبدو فيه الاهتمام بالمظاهر والتنظيم الشكلي أكبر من الاهتمام بجوهر المعرفة والخبرة. والمشهد، بصرف النظر عن ملابساته، يطرح سؤالاً أكبر من حادثة سحب الميكروفونات: ما قيمة الحديث عن تطوير التعليم واستقطاب الخبرات العالمية إذا كنا لا نحسن الإنصات إلى علمائنا، ولا نعرف كيف نستثمر خبراتهم، ولا نوفر لهم المكانة التي يستحقونها؟ وفي حادثة أخرى لا تقل دلالة، تكشف جانباً آخر من حجم الخلل المخيف والمحبط الذي يتسلل إلى مؤسسات العراق العلمية، وردت شهادة لأحد الكفاءات العراقية الكبيرة، دُعي متحدثاً رئيسياً في مؤتمر علمي دولي بإحدى الجامعات العراقية. كان الأستاذ يتحدث في موضوع حيوي يمس عصباً مفصلياً من مفاصل الاقتصاد العراقي، وينقل خبرات ومعارف تراكمت لديه من خلال توليه مواقع إدارية وقيادية في عدد من المؤسسات في إحدى أكثر الدول الغربية تقدماً. لكن، وبدلاً من أن يُمنح الوقت الكافي لعرض تجربته والاستفادة من خبرته، أخذ مدير القاعة يشير إليه مراراً بضرورة اختصار محاضرته وإنهائها، لأن هناك فقرة راقصة للأطفال مدرجة ضمن برنامج حفل الافتتاح تنتظر دورها.! الحادثة تتختصر خللاً عميقاً في ترتيب الأولويات وفي فهم الغاية من المؤتمرات العلمية. فكيف يُستقدم خبير يمتلك تجربة مهنية ومعرفية ثم يُستعجل إنهاء حديثه لصالح فقرة استعراضية؟ وأي رسالة يمكن أن تصل إلى العلماء والخبراء حين تصبح مظاهر الاحتفال أكثر أهمية من مضمون العلم والمعرفة؟ عالم يُسحب الميكروفون من أمامه، وخبير يُطلب منه إنهاء محاضرته لإفساح المجال لفقرة استعراضية. مشهدان مختلفان، لكنهما يطرحان سؤالاً واحداً: هل نحن بصدد بناء مؤسسات علمية حقيقية، أم الاكتفاء بإقامة مؤتمرات واحتفالات تحمل أسماء العلم بينما تغيب عنها أولوياته؟ فأي رسالة نبعثها إلى علمائنا العراقيين في الخارج؟ وأي حافز نقدمه إليهم للعودة والمساهمة في إعادة بناء مؤسسات وطنهم، إذا كانت خبراتهم لا تجد من يصغي إليها، وإذا كان اللقب أحياناً أسبق من المعرفة، والمظهر أهم من المضمون؟ إن ما يحدث في الوسط الأكاديمي لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي الذي تشكّل بعد عام 2003. فالمشكلة أعمق من شهادات مزورة أو مسؤولين غير مؤهلين؛ إنها ترتبط بمنظومة حكم جعلت المحاصصة الحزبية بديلاً عن مؤسسات الدولة، والولاء السياسي معياراً للتعيين، والانتماء إلى الجهة النافذة طريقاً إلى مواقع المسؤولية.. وفي ظل هذه المنظومة، لم يعد السؤال الأساسي عند اختيار الوزير أو المدير أو المسؤول: ما مؤهلاته؟ وما خبرته؟ وما قدرته على إدارة المؤسسة؟ بل أصبح السؤال: من رشّحه؟ ولأي جهة سياسية تعود حصته؟ ومن يقف خلفه؟ وهكذا أصبحت المناصب العليا، في كثير من الحالات، امتداداً للتوازنات الحزبية لا استحقاقاً للكفاءة. وتحولت بعض الوزارات إلى جزر حزبية مغلقة، تتوزع فيها المواقع والوظائف والعقود والموارد وفق موازين النفوذ والتفاهمات السياسية، لا وفق معايير النزاهة والجدارة. ومن هنا تتضح الصلة بين تزوير الاستحقاق الأكاديمي وتزوير مفهوم الدولة: ففي الحالتين يجري استبدال المعيار الحقيقي بمعيار زائف؛ الشهادة بدلاً من العلم، والولاء بدلاً من الكفاءة، والحصة الحزبية بدلاً من الاستحقاق الوطني. إن الدولة التي تُدار بمنطق الغنائم لا يمكن أن تنتج مؤسسات كفوءة، مهما رفعت من شعارات الإصلاح والتطوير .
من أين يبدأ الإصلاح؟ إن مواجهة هذا الانحدار لا تكون بإقامة المؤتمرات وإطلاق الشعارات، ولا بإضافة ألقاب جديدة إلى واجهات المؤسسات، بل بإجراءات جادة تعيد الاعتبار إلى العلم والكفاءة والاستحقاق. ويبدأ ذلك بمراجعة شفافة لشهادات الدراسات العليا التي أُثيرت بشأنها شبهات، والتحقق من سلامة الاعتراف بالجامعات والبرامج الدراسية، ونشر بيانات واضحة عن الشهادات المعتمدة، والتحقيق في دور الوسطاء والجهات التي سهّلت أي تجاوزات، ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفق القانون. كما يتطلب مراجعة التعيينات التي استندت إلى شهادات ثبت تزويرها أو عدم استيفائها الشروط القانونية، ووضع معايير مهنية واضحة لاختيار القيادات الجامعية والإدارية، بعيداً عن المحاصصة والتدخلات الحزبية.
ولا بد أيضاً من حماية استقلال الجامعات، وتمكين الباحثين وأصحاب الخبرة من أداء دورهم، وفتح قنوات حقيقية للاستفادة من الكفاءات العراقية في الخارج، لا دعوتها إلى مؤتمرات شكلية ثم التعامل مع خبراتها بوصفها عبئاً على برنامج الاحتفال. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين يصبح معيار التعيين هو الكفاءة، ومعيار الترقية هو الإنجاز، ومعيار الاحترام هو المعرفة، لا اللقب أو الانتماء أو النفوذ. ان العراق لا يحتاج إلى مزيد من الألقاب، بل إلى استعادة قيمة العلم لم يعد العراقيون يطالبون بأن يستعيد بلدهم مكانته العلمية التي عرفها في مراحل سابقة فحسب؛ بل أصبح مطلبهم أكثر إلحاحاً وبساطة: أوقفوا هذا التراجع، وأنقذوا ما تبقى من قيمة العلم والكفاءة والمؤسسات. إن مأساة العراق ليست فقط أن الجاهل يستطيع شراء لقب الدكتوراه، بل أن غير المؤهل يستطيع شراء طريقه إلى الوزارة، وأن العالم الحقيقي قد يقطع خمسة آلاف ميل ليكتشف أن لا أحد يريد الإصغاء إليه. تلك ليست أزمة تعليم، ولا مجرد فساد إداري؛ إنها أزمة دولة اختُطفت فيها معايير الاستحقاق، وأصبح تقاسم السلطة والموارد أهم من بناء الوطن. فالفساد الأكاديمي ليس استثناءً في العراق، بل هو أحد تجليات نظام سياسي جعل المحاصصة بديلاً عن الدولة، والولاء بديلاً عن الكفاءة، واللقب بديلاً عن العلم. إن استعادة الثقة بالعلم وبقيمة الكفاءة والجدارة فتحتاج إلى إرادة سياسية وثقافة مؤسسية قد يستغرق ترميمها جيلاً كاملاً. وحين تُهمَّش العقول، وتُهان الخبرات، وتُمنح المواقع لمن لا يستحقها، فإن الخسارة لا تقع على جامعة أو وزارة وحدها، بل على مستقبل وطن بأكمله.





