من يقف خلف جريمة الدورة ؟ما لم تتناوله التحقيقات

 كتب المهندس علي جبار العراق

  جريمة الدورة لم تبدأ لحظة إطلاق الرصاص، بل بدأت قبل ذلك بسنوات عندما تحولت بعض التجاوزات على الأراضي إلى سوق نفوذ ومصالح، وخرجت من كونها مخالفة قانونية محدودة إلى ظاهرة منظمة استفادت منها جهات تمتلك تأثيراً سياسياً واجتماعياً. فالمشكلة الحقيقية ليست فقط في الشخص الذي حمل السلاح وارتكب الجريمة، فهذا يتحمل مسؤوليته القانونية كاملة، بل في البيئة التي سمحت بترسيخ (ثقافةالاستباحة والتجاوز) وأن القانون يمكن تجاوزه، وأن الأرض العامة يمكن تحويلها إلى مصدر ربح ونفوذ.

إن ملف الأراضي الزراعية التي تحولت إلى مناطق سكنية عشوائية يحتاج إلى تحقيق جاد حول الدور الذي لعبه بعض أصحاب النفوذ السياسي، وبعض المتنفذين المرتبطين بمكاتب انتخابية أو مصالح اقتصادية، بالتعاون مع عناصر فاسدة داخل بعض دوائر الدولة المعنية، في تسهيل انتشار هذه الظاهرة. فمنذ سنوات، ارتبط توسع بعض مناطق التجاوز بحملات انتخابية اعتمدت على بناء ما يشبه “خزانات انتخابية” من خلال استقطاب السكان الجدد، وتوفير بعض الخدمات بشكل غير قانوني أو خارج التخطيط، مما جعل المخالفة تتحول تدريجياً إلى واقع اجتماعي يصعب معالجته. والدليل الذي يستحق التدقيق ليس الكلام السياسي، بل الواقع الميداني: اذهبوا إلى المناطق التي شهدت توسعاً كبيراً في التجاوزات، وراجعوا حركة البيع والشراء، ومكاتب الدلالية والعقارات الناشطة فيها، وستظهر الحاجة إلى كشف العلاقة بين بعض هذه المكاتب وبين شبكات نفوذ سياسية أو شخصيات مؤثرة. لقد أصبحت بعض الأراضي الزراعية تُقطع وتُباع بسرعة كبيرة، وتُبنى عليها وحدات سكنية بكلفة عالية، حتى أصبح سوقها ينافس أحياناً سوق العقارات الرسمية ذات السندات القانونية. وهذا لم يكن ممكناً لولا وجود خلل في منظومة الرقابة والتنفيذ. الأخطر أن من استفاد من هذه الفوضى ترك المواطن البسيط في مواجهة الدولة عند تطبيق القانون، بعد أن كان هو نفسه ضحية أزمة السكن وارتفاع الأسعار.

إن معالجة جريمة الدورة لا تكون فقط بملاحقة مطلق النار، بل بكشف الشبكات التي صنعت البيئة التي أنتجت هذه الجرائم، ومراجعة: • من سهّل تحويل الأراضي الزراعية إلى تجمعات غير قانونية؟ • من أدخل الخدمات إلى مناطق غير مخططة؟ • من استفاد اقتصادياً من تجارة هذه الأراضي؟ • ومن استخدم حاجة المواطنين للسكن لبناء نفوذ انتخابي؟ هيبة الدولة لا تُستعاد فقط بإزالة التجاوزات، بل بمحاسبة من جعل التجاوز ممكناً وتحول إلى نموذج للربح والنفوذ.

وطن برس

Related Posts

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

بقلم: الدكتور عادل الحيدري / كانبيرا  ليست كل حالات الانتظار متشابهة؛ فثمة انتظارٌ يولد من الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل، وانتظارٌ آخر يتحوّل، مع مرور الزمن، إلى محنة وجودية…

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

كانبيرا / محمد بكر  وصل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى أستراليا في زيارة دولة تستمر يومي 13 و14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تلبيةً لدعوة رسمية، تتضمن لقاءات…

اترك تعليقاً

لا يفوتك

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

حروب العراق في ذاكرة المتحف الوطني الحربي في استراليا

حروب العراق في ذاكرة المتحف الوطني الحربي في استراليا

الماركسية والتمركس والماركسلوجيا كتاب جديد للمفكرعبد الحسين شعبان

الماركسية والتمركس والماركسلوجيا كتاب جديد  للمفكرعبد الحسين شعبان

انسحاب واشنطن…العراق يستعيد قراره ويعيد رسم المنطقة

انسحاب واشنطن…العراق يستعيد قراره ويعيد رسم المنطقة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961