بين طهران و واشنطن… هل يستطيع الاتحاد الوطني الكردستاني الاستمرار في سياسة التوازن؟

بغداد – حيدر عواد عبدالحسين
تُعد العلاقات الإقليمية والدولية للأحزاب الكردية في العراق من أكثر الملفات تعقيداً، نظراً لتشابك المصالح بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، يثار كثير من الجدل حول طبيعة سياسة الاتحاد الوطني الكردستاني (ينك)، ومدى نجاحه في إدارة علاقاته مع إيران والولايات المتحدة وتركيا وبغداد في آن واحد.
وتذهب بعض القراءات السياسية إلى أن الحزب انتهج خلال السنوات الماضية سياسة تقوم على تنويع التحالفات وعدم الارتهان الكامل لأي طرف، في محاولة للحفاظ على موقعه السياسي، إلا أن هذا النهج أصبح أكثر صعوبة مع تصاعد الاستقطاب الإقليمي.
أولاً: العلاقة مع إيران… من الشراكة إلى الاعتماد
يرى مراقبون أن العلاقة بين الاتحاد الوطني وإيران شكلت أحد أهم ركائز نفوذ الحزب، سواء من الناحية السياسية أو الأمنية. وبحسب هذه القراءة، وفرت طهران دعماً للحزب في محطات مختلفة، مقابل الحفاظ على مستوى من التنسيق الذي ينسجم مع مصالحها داخل العراق وإقليم كردستان.
لكن هذه العلاقة، وفق منتقدي الحزب، لم تعد تُنظر إليها بوصفها تحالفاً سياسياً عادياً، بل باعتبارها علاقة أثرت في هامش استقلالية القرار السياسي للحزب، وهو ما انعكس على مواقفه في عدد من الملفات الداخلية والإقليمية.
ثانياً: الانفتاح على الغرب… محاولة لكسر الصورة التقليدية
في المقابل، لم يقتصر نشاط الاتحاد الوطني على علاقاته مع إيران، بل عمل على تعزيز اتصالاته مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن هذا الانفتاح كان يهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول، تقليل الاعتماد على طهران، والثاني، تقديم الحزب بوصفه شريكاً مقبولاً لدى العواصم الغربية في ملفات الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب.
إلا أن نجاح هذه السياسة ظل مرتبطاً بمدى اقتناع الدول الغربية باستقلالية الحزب عن النفوذ الإيراني، وهي مسألة بقيت محل نقاش بين مختلف الأطراف.
ثالثاً: تركيا وملف حزب العمال الكردستاني
تُعد العلاقة مع تركيا من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للاتحاد الوطني، في ظل استمرار وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في مناطق من إقليم كردستان.
وترى بعض القراءات أن الحزب حاول في فترات مختلفة الحفاظ على قنوات تواصل مع أنقرة، دون التخلي عن علاقاته مع أطراف كردية أخرى، الأمر الذي جعله أمام معادلة سياسية معقدة يصعب الحفاظ عليها على المدى الطويل.
رابعاً: بغداد… توسيع النفوذ عبر التحالفات
مع تراجع مستوى التنسيق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والحكومة الاتحادية في بعض المراحل، وجد الاتحاد الوطني فرصة لتعزيز حضوره في بغداد، والدخول في تفاهمات وتحالفات سياسية مع قوى مؤثرة.
ويرى محللون أن هذه السياسة عززت نفوذ الحزب داخل مؤسسات الدولة العراقية، لكنها في المقابل أثارت انتقادات من أطراف كردية اعتبرت أن بعض تلك التفاهمات جاءت على حساب الملفات الخلافية بين أربيل وبغداد.
خامساً: التوازن بين واشنطن وطهران… مهمة تزداد صعوبة
بعد تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وجد الاتحاد الوطني نفسه أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في كيفية المحافظة على علاقاته مع الطرفين في وقت واحد.
وتذهب بعض التحليلات إلى أن الحزب حاول تقديم نفسه لواشنطن بوصفه طرفاً قادراً على المساهمة في خفض التصعيد واحتواء بعض القوى المسلحة، بالتوازي مع استمرار قنوات التواصل مع طهران.
غير أن استمرار هذا النهج يعتمد على قدرة الحزب على إقناع كل طرف بأنه لا يعمل ضد مصالحه، وهي معادلة تزداد تعقيداً كلما تصاعدت حدة الصراع الإقليمي.
سادساً: القصف الإيراني… رسائل متبادلة أم تصعيد؟
أثار القصف الذي استهدف مواقع في محافظة السليمانية تساؤلات عديدة بشأن طبيعة العلاقة بين إيران والاتحاد الوطني.
وقد طُرحت تفسيرات متعددة لهذه الضربات، من بينها أنها رسائل ضغط سياسية أو أمنية، إلا أنه لا توجد معلومات معلنة أو أدلة موثقة تؤكد بشكل قاطع دوافع تلك الهجمات أو طبيعة الرسائل التي حملتها.
سابعاً: مستقبل الحزب في ظل التحولات الإقليمية
تشير التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط إلى أن مساحة المناورة أمام القوى السياسية أصبحت أكثر ضيقاً من السابق. فالتنافس المتزايد بين القوى الإقليمية والدولية يجعل من الصعب على أي طرف الاستمرار في سياسة التوازن لفترات طويلة دون أن يُطلب منه تحديد موقعه بشكل أكثر وضوحاً.
وفي هذا السياق، يواجه الاتحاد الوطني الكردستاني تحديات تتعلق بالحفاظ على علاقاته مع إيران والولايات المتحدة وتركيا وبغداد في آن واحد، إضافة إلى إدارة التوازنات الداخلية في إقليم كردستان.
خاتمة
تعكس تجربة الاتحاد الوطني الكردستاني طبيعة البيئة السياسية المعقدة في العراق والمنطقة، حيث تتداخل المصالح المحلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. وبين من يرى أن سياسة تعدد العلاقات تمثل ضرورة سياسية، ومن يعتبرها مصدراً لفقدان الثقة لدى مختلف الأطراف، يبقى مستقبل هذه الاستراتيجية مرهوناً بمسار الصراعات الإقليمية وقدرة الحزب على التكيف مع التحولات المقبلة، مع بقاء كثير من الادعاءات المتداولة حول هذه الملفات بحاجة إلى أدلة موثقة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة.

وطن برس

Related Posts

علي الشلاه: الثقافة العراقية قوة جامعة ورأس المال الوطني في دعم الفعاليات والمبادرات الإبداعية

بابل – أمجاد ناصر دعا رئيس مهرجان بابل للثقافات العالمية, الدكتور علي الشلاه, إلى تعزيز دور رأس المال الثقافي الوطني في دعم الفعاليات والمبادرات الإبداعية, وتمكين المؤسسات والمهرجانات العراقية من…

ملفات العدالة والأمن وارتفاع تكاليف المعيشة والحراك الثقافي اهم أحداث الاسبوع في العاصمة كانبيرا

كانبيرا / أشواق شلال الجابر شهدت العاصمة الأسترالية كانبيرا خلال  هذا لأسبوع  من 11 إلى 17  تشرين الاول أكتوبر  تطورات محلية لافتة، تصدرتها ملفات العدالة وحماية الأحداث، إلى جانب قضايا…

اترك تعليقاً

لا يفوتك

علي الشلاه: الثقافة العراقية قوة جامعة ورأس المال الوطني في دعم الفعاليات والمبادرات الإبداعية

علي الشلاه: الثقافة العراقية قوة جامعة ورأس المال الوطني في دعم الفعاليات والمبادرات الإبداعية

ملفات العدالة والأمن وارتفاع تكاليف المعيشة والحراك الثقافي اهم أحداث الاسبوع في العاصمة كانبيرا

ملفات العدالة والأمن وارتفاع تكاليف المعيشة والحراك الثقافي اهم أحداث الاسبوع في العاصمة كانبيرا

نشاطات مجتمعية في كانبيرا للتواصل بين الثقافات

نشاطات مجتمعية في كانبيرا للتواصل بين الثقافات

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961