بقلم: الدكتور عادل الحيدري / كانبيرا
ليست كل حالات الانتظار متشابهة؛ فثمة انتظارٌ يولد من الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل، وانتظارٌ آخر يتحوّل، مع مرور الزمن، إلى محنة وجودية تستنزف الإنسان، وتجعله أسير وعدٍ لا يعرف متى يتحقق، أو ما إذا كان سيتحقق أصلاً. وبين هذين المعنيين، تقف لوحة الفنان التشكيلي العراقي الأسترالي حيدر عبادي «في انتظار المطر»، فاتحةً باباً واسعاً للتأمل في الإنسان المعاصر، وفي علاقته بالخلاص المؤجّل، والأمل الذي يقاوم اليأس، والواقع الذي يصرّ على إعادة إنتاج مآسيه.
تبدو اللوحة من خلال عنوانها وكأنها تستدعي سؤالاً يتجاوز حدود التشكيل إلى الفلسفة والأدب: هل نحن أمام انتظار المطر، أم أمام انتظار غودو؟
ليس هذا السؤال محاولةً لاستبدال عنوان اللوحة بعنوان آخر، ولا افتراضاً بأن الفنان قصد محاكاة مسرحية صموئيل بيكيت الشهيرة «في انتظار غودو»، بل هو مدخل لقراءة التقاطع العميق بين عملين، يفصل بينهما اختلاف الوسيط الفني، ويجمعهما انشغال الإنسان بما ينتظره، وبما يعجز عن تحقيقه بيديه.
المطر: استعارة للخلاص

في تصريحاته عن لوحته، يربط حيدرعبادي اللون الأحمر بالدماء التي تُراق في الحروب، ويقدّم الكتلة البشرية التي رسمها بوصفها مجموعة من البشر المنتظرين نزول الماء لإطفاء النار. ويشير إلى أن الناس ينتظرون المخلّص، وينتظرون رحمة السماء، فيما يعيشون وسط حرائق لا يبدو أنها تقترب من نهايتها.
بهذا المعنى، لا يعود المطر مجرد عنصر من عناصر الطبيعة، بل يتحوّل إلى استعارة للخلاص، وإلى نقيض رمزي للنار التي تلتهم الإنسان والعالم من حوله.
فالمطر هنا ليس ترفاً جمالياً، ولا مشهداً رومانسياً تستريح إليه العين؛ إنه ضرورة وجودية، وشرط لاستمرار الحياة، وصورة للرحمة التي يحتاج إليها عالم أنهكته الحروب والدماء.
وتكمن قوة هذا الرمز في المفارقة التي يحملها: الماء الذي يُفترض أن يكون متاحاً بوصفه جزءاً من دورة الطبيعة، يصبح أمنيةً بعيدة المنال، تماماً كما يصبح السلام، في عالمنا المعاصر، حلماً تتداوله الشعوب أكثر مما تعيشه.
لكن ثمة سؤالاً أكثر إيلاماً يختبئ خلف هذا الانتظار: هل يكفي أن نرفع أبصارنا إلى السماء كي تنطفئ الحرائق؟ أم أن بعض الحرائق من صنع الإنسان، ولا يمكن إخمادها إلا بإرادة الإنسان نفسه؟
هنا تبدأ اللوحة بمغادرة حدودها البصرية، لتضع المتلقي أمام مسؤوليته الأخلاقية والسياسية، وأمام المفارقة بين انتظار الخلاص والتقاعس عن صناعته.
غودو: حين يصبح الانتظار مصيراً
في مسرحية «في انتظار غودو» لصموئيل بيكيت، يقف شخصان ينتظران شخصيةً غائبة تُدعى غودو، على أمل أن يأتي ويغيّر شيئاً من واقعهما. تتوالى الأحداث، وتتكرر الوعود، لكن المنتظَر لا يصل، ويبقى الانتظار مفتوحاً على احتمالات لا تحسمها النهاية.
لم يكن غودو مجرد شخص غائب؛ فقد أصبح اسمه، في قراءات واسعة للمسرحية، رمزاً للخلاص الموعود، وللسلطة التي ينتظرها الناس، وللأمل الذي يؤجلون حياتهم من أجله، وللمعنى الذي يبحث عنه الإنسان في عالم لا يمنحه إجابات واضحة.
ومع ذلك، لا تقدّم المسرحية تفسيراً واحداً ونهائياً لهوية غودو، ولا يصح اختزاله في معنى ديني أو سياسي محدد. إن غموضه جزء من قوتها، إذ يتيح لكل عصر أن يرى في انتظاره صورته الخاصة.
وهنا يلتقي عالم بيكيت بعالم عبادي.
فكما ينتظر شخصا بيكيت غودو، ينتظر البشر في لوحة عبادي المطر. وفي الحالتين، تتجاوز المسألة الشيء المنتظَر لتصبح سؤالاً عن الإنسان نفسه: ماذا يفعل حين يشعر بأن مصيره معلّق بقوة لا يملك التحكم فيها؟ وكيف يحافظ على أمله عندما يطول الغياب؟
غير أن الفرق بين العملين مهم أيضاً. فالمطر ظاهرة ملموسة، يمكن أن تهطل بالفعل، ويمكن أن تنهي عطشاً أو تطفئ حريقاً. أما غودو، فيظل شخصية غائبة، تتغذّى دلالتها من الغموض ومن استمرار الانتظار. ولذلك يبدو الأمل في لوحة عبادي مرتبطاً بحاجة واقعية وملحّة إلى النجاة، فيما يدفعنا بيكيت إلى مساءلة الانتظار ذاته، وإلى الشك في الوعود التي تجعل الإنسان يؤجل حياته إلى أجل غير معلوم.
من انتظار السماء إلى مساءلة الأرض
تزداد دلالة لوحة «في انتظار المطر» عمقاً عندما نقرأها في ضوء الحروب التي أشار إليها الفنان، من العراق إلى غزة ولبنان، وما تتركه من دمار وخوف ونزوح وفقدان.
فالنار في هذا السياق ليست مجرد عنصر تشكيلي؛ إنها صورة لعالم يستهلك أبناءه، فيما يظل هؤلاء يتطلعون إلى لحظة تتوقف فيها آلة العنف.
لكن عبادي لا يكتفي، في حديثه عن العمل، بوصف الخراب؛ إنه يطرح أيضاً مسألة المسؤولية، إذ يتحدث عن انتظار الفرج من أصحاب القرار، وعن ضرورة التخلص من الحروب. وهنا يتحول الانتظار من حالة إنسانية عامة إلى مساءلة سياسية وأخلاقية: من المسؤول عن استمرار الحريق؟ ومن يملك القدرة على إطفائه؟ ولماذا يُترك البشر في انتظار ما كان يمكن تفاديه؟
إنها أسئلة تجعل المطر رمزاً مزدوجاً: رحمةً يُرجى هطولها من السماء، وعدالةً وسلاماً ينبغي أن يعمل البشر من أجل تحقيقهما على الأرض.
وإذا كان المطر قد يأتي من دون تدخل الإنسان، فإن إنهاء الحروب لا يمكن أن يُترك لمحض المصادفة. فالسلام ليس هبةً موسمية تهطل على الشعوب، بل نتيجة قرارات ومسؤوليات ومواقف تتطلب شجاعةً سياسية وأخلاقية.
ومن هنا، لا ينبغي أن تقودنا المقارنة مع بيكيت إلى التشاؤم وحده. فقد يكون الانتظار في لوحة عبادي تعبيراً عن هشاشة الإنسان أمام الكارثة، لكنه قد يكون أيضاً إعلاناً عن تمسكه بالحياة، وعن رفضه التسليم بأن النار هي قدره النهائي.
قارب واحد ومصير مشترك
تكتسب فكرة المصير الجماعي أهمية إضافية في رؤية عبادي الفنية. ففي حديثه عن عمله، يشدد على أننا جميعاً في زورق واحد، وأن حماية هذا الزورق مسؤولية الجميع.
إنها صورة تتجاوز حدود اللوحة الواحدة لتعبّر عن جوهر التجربة الإنسانية: لا يمكن لأحد أن يعزل نفسه تماماً عن مصير الآخرين، ولا يمكن لعالم تحاصره الحروب والكوارث أن يضمن سلامة أفراده بمجرد إغلاق الأبواب أمام معاناة الآخرين.
وفي هذه الرؤية، يصبح الانتظار اختباراً للتضامن أيضاً. فهل ينتظر كل إنسان المطر لنفسه، أم يتحول الانتظار إلى وعي مشترك بأن النجاة لا تكتمل ما دام الآخرون يحترقون؟
هنا تلتقي اللوحة مع سؤال أخلاقي يتجاوز السياسة والجغرافيا: هل نكتفي بالتعاطف مع الضحايا، أم نحاول تغيير الظروف التي تنتج الضحايا باستمرار؟
هل يأتي المطر قبل غودو؟
ربما تكمن المفارقة الأعمق في أن المطر، على الرغم من غيابه، يظل قابلاً للتصور بوصفه حدثاً طبيعياً ممكناً؛ أما غودو فيظل أسير السؤال الذي صنعته المسرحية حول معنى انتظار الغائب.
ومع ذلك، فإن البشر قد يحوّلون المطر نفسه إلى غودو، حين يتعاملون مع الخلاص وكأنه حدث خارجي سيأتي ذات يوم، من دون أن يغيّروا شيئاً في شروط الكارثة التي يعيشونها.
وهنا تتجاوز لوحة حيدر عبادي السؤال عن موعد المطر إلى سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا لو كان بعض ما ننتظره لن يأتي ما لم نساعد على صنعه؟
إن انتظار المطر، في هذه القراءة، ليس نقيض انتظار غودو بالضرورة؛ فقد يكون أملاً مشروعاً في النجاة، وقد يتحول، إذا استحال إلى موقف سلبي دائم، إلى صورة أخرى من صور الانتظار العبثي.
وبين المعنيين، تتركنا اللوحة أمام مساحة من القلق والتأمل، من دون أن تفرض علينا إجابة جاهزة.
فالفن الذي يستحق التأمل لا يكتفي بأن يعرض مأساة الإنسان، بل يجعلنا نعيد النظر في موقعنا منها. وهو لا يمنحنا بالضرورة مخرجاً من الأسئلة، لكنه يمنعنا من المرور أمامها بلامبالاة.
في النهاية، ليست القضية أن نختار بين المطر وغودو، بل أن نسأل أنفسنا: كم من الحرائق كان يمكن إطفاؤها قبل أن ننتظر المطر؟ وكم من الخلاصات المؤجلة ستظل غائبة ما دمنا نكتفي بانتظار من يأتي لينقذنا؟
ربما لا يستطيع الفنان أن يُنزل المطر، لكنه يستطيع أن يجعلنا نرى النار بوضوح، وأن يذكّرنا بأن انتظار الخلاص لا يعفينا من مسؤولية العمل من أجله.
وهذا، في تقديري، هو أحد أعمق أبعاد لوحة حيدر عبادي «في انتظار المطر»: إنها لا ترسم غياب المطر فحسب، بل تضع الإنسان أمام السؤال الأصعب، سؤال الانتظار نفسه؛ متى يكون أملاً يحفظ الحياة، ومتى يصبح وهماً يؤجل مواجهتها؟






