نشرت جريدة المدى العراقية ، ترجمة لمقال لمقدمة المجموعة الشعرية الصادرة بالإنكليزية-طائر منفيّ An Exiled Bird للشاعرالعراقي أديب كما الدين المقيم في الجنوب الاسترالي، والتي كتبتها الشاعرة والكاتبة المسرحية الاسترالية القديرة الدكتورة فيفيان كلانس Vivienne Glance- وهذا نصها؛
د. فيفيان كلانس
ترجمة: المدى
تواصل هذه المجموعة للشاعر أديب كمال الدين (المولود عام 1953، العراق) انشغالات الشاعر بالقوّة الصوفية للحرف العربي ورمزيته، وفي أعماله اللاحقة، بقضية المنفى عن وطنه. وقد رسّخ هذا الشاعر مكانته المميّزة في الشعر العربي المعاصر عبر منجزه الغزير والجوائز التي نالها. ومن مقرّه الحالي في أستراليا، يواصل تعزيز سمعته الأدبية من خلال ترجمة أعماله إلى اللغة الإنكليزية.
تمثّل مجموعة (طائر مَنفيّ) خطوة متقدمة في استكشاف كمال الدين الطويل لسرّ الحرف وبنية الروح البشرية. في هذا العمل، تكتسي هذه المهمة بتعقيدات وواقع الاغتراب. ومع ذلك، فإنّ قصائده تتسامى فوق المكان وتتحدّى الحنين، متحدثةً بصوتٍ يحاور المقدّس والدنيوي، الشخصي والسياسي.
كما تعكس قصائد هذه المجموعة ثيمات متكرّرة، كالطائرِ بوصفه رمزاً للمنفى، والبحرِ مُمثِّلاً للمسافة والفراق، ومُهرّجي السيرك استعارةً لعبثيّة الحياة، والرمادِ بوصفه بقايا هشّة للحزن والفقد وكذلك الادّعاءات النبوئيّة للمجانين.
وتتلاقى كثير من هذه الثيمات في قصيدة(قال الذئب: أنا هو البحر)، وهي قصيدة مؤلفة من خمسة وعشرين مقطعاً. ففيها يرفض الذئب مساعدة رجلٍ يغرق، وبدلاً من ذلك يقول له: (أنا هو البحر!). هنا يصبح البحر حاجزاً بين الوطن ومكان المنفى، ويتحوّل إلى رمزٍ للصراع والتحمّل. وسواء بلغ الرجل الغريق شاطئ الخلاص المفترض أم لم يبلغه، فإنّ مصيره واحد.
وتُستَخدم النار استعارةً للعنف الإنساني، حيث يقول الشاعر:
(النّار لبستْ ثياباً تنكّريّة
لا يخرجُ منها اللهبُ أو الدخان
لكنَّ لسعتها، بالطبع،
أشدّ ضراوة ووحشيّة).
تستدعي هذه الصورة قوى التدمير التي ابتُلي بها العراق في تاريخه الحديث والقديم، وهي قوى نشأت من سعي بعض البشر إلى السلطة والجشع.
في مقابل هذه الصور العنيفة، يواصل أديب كمال الدين استكشافه العميق لقدسية الحروف العربية، التي تحمل في التراث الإسلامي إشراقات الوحي وأصداء الروح. وهذا الارتباط المستمر باللغة العربية يُعدّ تأكيداً لهويته، ويمكن النظر إليه بوصفه استعارةً لبقائه في ملاذٍ غريب الثقافة واللغة والعادات. ويمكن أيضاً اعتباره أداةً للتواصل بين الثقافات تجتاز تشابكات المعنى عبر الترجمة، ومع ذلك تظل حيّة ومزدهرة، حتى عندما يكون الحرف – كما ورد في قصيدة: «قال الذئب: أنا هو البحر» – (كلُّ حرفٍ هو أبجديةٌ من الألم).
كذلك تضمّ المجموعة قصائد مفعمة بالحبّ واللطف، مثل قصيدة(سِحْر)، حيث تكون القُبلة فعلاً من أفعال الحبّ والإعجاب والتقديس، تُمنَح وتُستَقبَل في آن. وفي قصيدة (لم تكن…) يستمر الحبّ رغم صعوبات الحياة، ولاسيّما تلك التي شهدها الشاعر في وطنه. وتتشابك في هذه القصائد أيضاً ملامح من التاريخ والأسطورة العراقية، مع إشارات إلى شخصيات صوفية وأدبية جليلة، وإلى ملحمة كلكامش الموغلة في القِدَم.
تمتد بعض قصائد(طائر منفيّ) على عدّة صفحات، بحيث يشكّل كل مقطع قصيدةً بحد ذاتها، لكنها في الوقت نفسه تحاور المقاطع التي تسبقها وتليها. وتستكشف قصيدة (توريث) طيفاً واسعاً من التأثيرات القادمة من أنحاء العالم، بما في ذلك شعراء وشخصيات أسطورية عديدة، ويمكن النظر إليها بوصفها تحيةَ إجلالٍ لإرثهم. إنها تثير شعوراً بالتوق للنهل من سِيَرِ الآخرين ونتاجهم، لكنها في الوقت ذاته تسبر أغوار مشاعر الشكّ الإبداعي. ويأتي المقطع الأخير إهداءً إلى إرث الأب، الذي (لم يورثني سوى دمعة)، وكيف أصبحت هذه الدمعة، مع الإيمان، مصدراً لإلهام الشاعر وغايةً لقصيدته.
في هذه القصائد، لا يتجلّى (طائر المنفى) الوارد في العنوان بوصفه استعارة مجرّدة، بل كحضور حيّ؛ فهو يحلّق، جريحاً ومعانداً، عبر لحظات الذاكرة والصمت، تطارده الغربان والذئاب، ويملؤه الذهول أمام عبثية السيرك والحياة معاً، كأنّه: (أغنية تعبت من ترديدِ كلماتِها). (من: قصيدة البحر والمرآة).
إنّ (طائر منفيّ) يمتلِئ بصور سريالية، لكنه مشبع بالأمل؛ إذ يغوص في الشخصي والسياسي، وفي اليومي والغيبي. ويُحسب لأديب كمال الدين أنه تجاوز محن المنفى وواصل كتابة الشعر، وهو فعلٌ يعجز كثير من الأدباء المهجّرين عن الاستمرار فيه. وتعكس قصيدة(أخبار المعنى) هذا الصراع العميق بلغة وصور مؤثرة للغاية، حيث يقول:
(عذّبني المعنى. قادَ المعنى بيتي نحو المنفى، ألقى القبض على أسئلتي،أودعني حجرات المنسيين وأخرجني نحوكِ مفتوناً فوجدتكِ في ذاتِ الغرفةِ، في لغةِ الفضّةِ عاريةً فذهلتُ),
كلّي أمل أن تقدم هذه المجموعة أعمال الشاعر للعديد من القراء الجدد. فنحن محظوظون بأنّ أديب كمال الدين يواصل كتابة أعمال ذات صلة عميقة بالحوار العالمي حول المنفى واللغة والهوية، وهي قضايا يمكننا جميعاً التفاعل معها اليوم.
فيفيان كلانس: شاعرة وكاتبة مسرحية أسترالية.
طائر مَنفيّ، شعر: أديب كمال الدين، منشورات ومطبعة فيوجي فلم، أستراليا 2026





