ميسلون هادي / كاتبة وصحفية من العراق

وصلتني رسالة من صديقتي، التي تعرف محبتي لأغاني هذا الفنان الأصيل، فيها اسم عبد الله الرويشد وبقربه أيقونة باكية، فعرفتُ أنها سمعتْ بالإشاعة، التي انتشرت حول وفاته، له الصحة والسلامة والعمر الطويل.
قلتُ لنفسي سأكتب عن الرويشد في حياته، لكي يعرف محبة العراقيين له، ومكانته الكبيرة في نفوسهم، ليس لأن اسمه ارتبط بالملحن العراقي فاروق هلال في بعض أغانيه، ولكن لأنه، بعد أحداث العام 1991، لم يتفوه بأية إساءة للشعب العراقي، ولو فعل ذلك، لكان معه كل الحق، فلم يكن الظرف يسمح أن يفرق الفنان أو المثقف الكويتي بين الحكومة والشعب المغلوب على أمره، وسيكون معه الحق كله في أي كلام يقوله، بسبب مرارة تلك الأحداث المؤلمة التي لا نريد أن نثير مواجعها الآن.
فاروق هلال كان معه في لندن عندما حدث الغزو، وفي الساعة السابعة صباحا (يقول هلال في ذكرياته)، رن جرس الهاتف في الفندق من متصل كويتي يقول: وين أبو خالد؟ العراكيين دشوا علينا. ذهب فاروق هلال إلى الرويشد واعطاه الهاتف، ليجد علامات الألم تظهر على وجهه. فلم يملك هلال إلا أن يلوذ بالصمت، من شدة إحساسه بالإحراج والصدمة.
مع هذا لم يتخل عبد الله الرويشد عن خلقه الرفيع، وعرض عليه أن يذهب معه إلى القاهرة، ولكن فاروق هلال خاف أن يُفهم موقفه هروبا في تلك الظروف، (فودعته بالأحضان والدموع ،وبقيت أنا في لندن، لكي ألحن أغنية الغربة للشاعر أسعد الغريري، وأعبر من خلالها عن حزني لما أصاب المحبة بين البلدين من تصدع كارثي وغم عميق).
لم تتغير علاقتهما بعد ذلك، والتقيا عدة مرات في المهرجانات العربية، وظلت مكانة عبد الله الرويشد عظيمة في نفس فاروق هلال، كما هي عظيمة في نفوس العراقيين. فالوجه مرآة لقلب صاحبه، وروحية هذا الفنان الجميل لم تنعكس على فنه ووجهه فقط، وإنما على لسانه وسلوكه الراقي.
أغانيه كانت دائما موجودة في مسجل السيارة، وفي أشرطة الفيديو التي كنا نسجلها من التلفزيون، ومنها رائعته الشهيرة (علمني عليك) ومقطعها الجميل هذا:
بيني وبينك مسافة بدت تكبر من جديد.
حتى لما تكون يمي أحس فيك إنك بعيد.
حتى لما تقول أحبك .. أنا أسكت ما أزيد





