القيادة الجامعية العربية ونهج الحكم الرشيد

بقلم: فادي محمد الدحدوح*
خبير في البحث العلمي والدراسات العليا

تعيش المنظومة العربية بشكل كامل مرحلة حرجة تموج بالتطورات المتسارعة والتغييرات المتلاحقة نتيجة لعوامل متعددة أهمها الظروف السياسية المعقدة، والثقافية والاجتماعية، والاقتصادية، وليس بآخرها ثورة المعلومات والاتصالات، وتلعب فيها الحوكمة الرشيدة الدور الحاسم في النجاح والتغلب على التحديات التي تواجهها، ومن هذا المنطلق فإن جامعاتنا العربية بمختلف أنواعها ينبغي عليها اللحاق بركب الدول المتقدمة واعتماد نظم واستراتيجيات شاملة تؤسس لمستقبل قادر أن يحقق طموح مشرق للمجتمعات العربية.
وتمثل الجامعات العربية الركيزة الأساسية للتعليم العالي، حيث تساهم في بناء الإنسان معرفياً وثقافياً ومهارياً علي النحو الذي يساعد علي تنمية الموارد البشرية في كافة التخصصات التي تحتاجها خطط التنمية المستدامة. ومن هنا تزايد الاهتمام علي المستويين الحكومي والمجتمعي بتطوير مؤسسات التعليم العالي وذلك بهدف تحسين مستوي جودة أداء هذه المؤسسات وتفعيل دورها في قيادة عمليات التنمية الشاملة.
وتُعد القيادة الجامعية العربية الفعالة من أهم الركائز الأساسية لنجاح المنظومة التعليمية والتغلب على كافة التحديات التي تعصف بالمؤسسات العربية، وللتأكد من جودة المؤسسة التعليمية وكفاءتها وجودة مخرجاتها، يُنظر أولاً إلى قيادتها وما يتوافر لديها من قدرات وإمكانات ووعي متكامل للأدوار المطلوبة منها ولدور المؤسسة التعليمية في المجتمع، ويُخطئ من يظُن أن قيادة مؤسسات التعليم العالي العربي سهلة ومُيسرة.
فلا يمكن الاكتفاء فقط بأن تنسج قيادة الجامعات العربية والمنظومة التعليمية بأروقتها أهدافاً وتضع أشكالاً ومخططات للتعليم، إنما لا بد من توفير الأساليب الإدارية التي تترجم هذه الأهداف، وتنفيذ الخطط التعليمية بصورة ناجحة فاعلة. لقد أصبح محور الحوكمة الرشيدة في هذه القيادة يدور حول الأفراد، وتحقيق الأغراض التربوية والاجتماعية.  وتطبيق نهج الحكم الرشيد في جامعاتنا العربية على كافة المنظومة التعليمية هي بمثابة إحداث نقلة نوعية للحصول على مخرجات تعليمية عالية الكفاءة والجودة، والإعداد للحياة من خلال بناء الشخصية القادرة على مواجهة المستقبل مع التأكيد على الهوية الثقافية الإسلامية، والإعداد العلمي لمواصلة التعليم الجامعي تحقيقاً للتنمية الشاملة في منظومتنا العربية.
ولأن القيادة الجامعية العربية تواجه الكثير من التحديات، من أبرزها التوجهات الديمقراطية وتعليم القرن الحادي والعشرين، والهيمنة الدولية وتحديات التنمية؛ فقد أصبح لزاماً إلى تغيير الجامعات العربية لفلسفتها وأدوارها وأهدافها وبالتالي تغيير في أدوار القيادة الجامعية، فمن ميسر للعمل إلى مطور وقائد للتغيير، ومن رئيس يصدر الأوامر إلى داعم وموجه، ومن إداري إلى قائد صاحب رؤية يؤثر ويلهم ويحفز، ويغرس الثقة في نفوس العاملين ويشركهم في القيادة، ويزيد من دافعيتهم ويشجعهم على الإبداع، ويمنح كل عضو اهتماماً فردياً خاصاً، ويرتقي باهتماماتهم واحتياجاتهم ليصنع منهم قادة آخرين.

يعد ممارسة نهج الحكم الرشيد من المواضيع الحديثة التي يتم تداولها في الوقت الحالي بكثافة في الأوساط العربية، ويجب الإشارة إليها والى أهميتها في تطوير البيئات التنظيمية المختلفة؛ وذلك من خلال علاقتها بآليات وإجراءات الإصلاح الإداري الذي يعد أحد العناصر المهمة في نظام الحوكمة الذي يساهم في ضبط العمل وتوجيه العمليات نحو النجاح والتطور المستمر.  ويسعى هذا النهج من خلال الأهداف إلى تحقيق رفع كفاءة أداء المؤسسات ووضع الأنظمة الكفيلة بتخفيف أو تقليل الغش وتضارب المصالح والتصرفات غير المقبولة ووضع أنظمة للرقابة على أداء تلك المؤسسات ووضع هيكل يحدد توزيع كافة الحقوق والمسؤوليات وتحديد القواعد والإجراءات والمخططات المتعلقة بسير العمل.  ويتطلب تطبيق نهج الحكم الرشيد بالجامعات العربية أرضية معينة في كافة البني التنظيمية والإدارية والاجتماعية داخل الجامعات وخارجها، بحيث توفر المناخ المناسب لإمكانية التطبيق. كما يتطلب قادة قادرين على توجيه الأفراد باتجاه تحقيق بصائرهم المتألقة، وليس هناك من مؤسسة أحرزت تقدماً ضمن نهج الحوكمة الرشيدة دون قيادة ذات قدرة إدارية عالية.
ومن الجدير بالذكر أن الحاجة الى الاصلاح لا تنتهي أبداً، وإنما هي عملية ديناميكية مستمرة، ولا تعني الحاجة الى الاصلاح وتطبيق نهج الحكم الرشيد أن هناك حالات مرضية تستوجب العلاج؛ وإنما تبقى الحاجة الى التطوير باقية بقاء المنظمة أو الجهاز الاداري ككل للوصول إلى أرقى صورة للمؤسسة.

  • باحث وكاتب من فلسطين – غزة

Email:Phd.fadi@gmail.com

  • Related Posts

    بين حديث (تهدئة النفوس) واعترافات (واد الفتنة)… 7 سنوات من البحث عن الطرف الثالث

    كتبت كريمة الأسدي  لم يمضِ يوم واحد على ظهور النائبة زهرة لقمان في برنامج «مع منى سامي»، وهي تتحدث عن الحاج أبو حسن العامري، قائلةً: «فديته أبو حسن»، ومشيرةً إلى…

    لماذا ندافع عن وطن ليس لنا فيه بيتاً !

    كتبت أشواق الجابر / نائب رئيس التحرير      البيت يعني الوطن  ، وللاسف في وطني الفقير ليس له وطن ، ويبدو ان  الدستور العراقي  لعام 2005  ،  اصبح حبراً على ورق…

    اترك تعليقاً

    لا يفوتك

    البانيزي في طريقه للأمم المتحدة : استراليا تعمل على منع الضرر للأطفال عبر الإنترنت

    البانيزي في طريقه للأمم المتحدة  : استراليا تعمل على منع الضرر للأطفال عبر الإنترنت

    منح المفكر الكوردي د.عز الدين مصطفى رسول جائزة العنقاء الذهبية الدولي للسلام

    منح المفكر الكوردي د.عز الدين مصطفى رسول جائزة العنقاء الذهبية الدولي للسلام

    محمد برجاوي : هل يليق بمنصة (AFIC) أن تهبط إلى مستوى الخلافات الشخصية؟

    محمد برجاوي : هل يليق بمنصة (AFIC) أن تهبط إلى مستوى الخلافات الشخصية؟

    محمد برجاوي وبيان الاتحاد الإسلامي في أستراليا، تجني وتشهير !!!

    محمد برجاوي وبيان الاتحاد الإسلامي في أستراليا، تجني وتشهير !!!

    النجم العربي الكبير وليد توفيق يتالق في استراليا

    النجم العربي الكبير وليد توفيق يتالق في استراليا

    وزير داخلية حكومة إقليم كردستان : ندعم جهود الحكومة الاتحادية في الامن والسيادة

    وزير داخلية حكومة إقليم كردستان :  ندعم جهود الحكومة الاتحادية في الامن والسيادة

    Primary Color

    Secondary Color

    Layout Mode

    Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961