* د. عادل الحيدري / كانبيرا
المحرر/ رداً على مقالة الدكتور كاظم المقدادي المنشورة على صفحته
من نقد الفكرة إلى محاكمة صاحبها: إفلاس المثقف حين تنفد حجته فيلجأ إلى اغتيال أصحابها «العقول العظيمة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الصغيرة تناقش الأشخاص». ما يكشف إفلاس “المثقف” ليس جهله، بل عجزه عن مواجهة الاختلاف بالحجة. فالمثقف الناضج يناقش الفكرة ويمتحن منطقها، أما من يعجز عن ذلك فيترك مضمونها وينشغل بصاحبها، فيتحول الحوار إلى خصومة، والنقد إلى تجريح، والاختلاف إلى تشكيك في أهلية الآخر وثقافته. والمفارقة أن هذا السلوك يصدر أحياناً عن مثقفين وأكاديميين يتحدثون باسم المعرفة وسعة الاطلاع، متناسين أن الثقافة لا تُقاس بما نستعرضه من أسماء ومراجع، بل بما ننتجه من فهم وحجة، وبقدرتنا على احترام الرأي المخالف. فحين تتحول المعرفة إلى أداة للاستعلاء والوصاية، تفقد جوهرها التنويري.
والأشد تناقضاً أن بعض من يرفعون شعارات حرية التعبير والتعددية يصبحون أول من يصادرها حين تخالفهم الآراء. يريدون للآخرين أن يفكروا وفق شروطهم، وأن يتحاوروا داخل حدود قناعاتهم؛ وهكذا يتحول دعاة حرية الفكر إلى حرّاس للوصاية الفكرية. ويقدم مقال الدكتور كاظم المقدادي عن الفنانة آلاء حسين، المنشور على صفحته الشخصية، مثالاً على هذا الانزلاق من نقد الفكرة إلى محاكمة صاحبتها. فبدلاً من تفنيد رأيها بشأن العلاقة بين الوطن والدين، امتد المقال إلى تفاصيل من سيرتها الفنية وعلاقاتها وخلافاتها، وإلى أحكام على شخصيتها وسلوكها بل بوصفها “بالمشاكسة”. فما علاقة تلك التفاصيل بصواب رأيها أو خطئه؟ إن استدعاء الحياة الشخصية لا يضيف حجة، بل يحوّل النقاش من تفنيد الرأي إلى التنقيب في حياة صاحبه. فحين تعجز عن دحض الفكرة، وتبحث عن ثغرة في صاحبها، فأنت لا تمارس النقد، بل تصادره.
ليس المطلوب الاتفاق مع كل رأي، ولا إعفاء صاحبه من النقد؛ فمن حقك أن ترفض الفكرة وتفنّدها، لكن ليس من حقك أن تصادر صاحبها أو تحاكم حياته الشخصية. وحين تنفد الحجة ويبدأ التشكيك في العقول والضمائر والذمم والسير الشخصية، فإن ذلك لا يكشف ضعف المحاوَر، بل يكشف خللاً في أخلاقيات الحوار لدى من يدّعي ممارسته. والأكثر مفارقة أن يتحول من يدرّس مبادئ الحوار والنقد إلى أول من يخفق في امتحانها حين يواجه رأياً مخالفاً. فالمثقف لا يثبت مكانته بإسكات الآخرين، بل بقوة حجته وقدرته على الاختلاف دون إساءة. ويبقى السؤال: هل نريد عقولاً تناقش الأفكار فتنتج فهماً، أم عقولاً تتصيد الأشخاص فتنتج خصومة؟ وكما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «انظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال». فالأفكار تُوزن بمنطقها ودليلها، لا بأسماء أصحابها أو سيرهم. والأشخاص يعبرون، أما ما يبقى من المثقف فليس ضجيج معاركه، بل أثر حجته.






