(( قبل أن يضيع الخيط والعصفور !!))

عبد السادة البصري

  عندما كنا صغاراً ، كانت زوجة أبي تحكي لنا كل ليلة حكاية ، ونحن نتحلّق حول منقلة الخشب المشتعل ، ذات شتاء قالت :ــ سأحكي لكم حكاية الشيخ الظالم الذي كان يحكم هو وزبانيته قرية ما ، إذ كان يضيّق الخناق على أهلها ويثقل كاهلهم بطلبات وقرارات لا يستسيغها عقل بشري أبدا ، ضرائب وفرمانات على محاصيلهم وحيواناتهم وما يصطادونه من طيور واسماك ، رغم أن اغلبهم يشتغلون أجراء عنده ، وما أن يتذمروا أو يمتنعوا عن الدفع حتى يواجهوا عقوبات السركال القاسية جدا والتي تصل الى القتل ، مع سكوت الكثيرين ، فباتوا عراةً حفاةً يخمصون بطونهم من أثر الجوع والفقر والمرض ، وكاد الهلاك أن يفتك بهم لولا أن استفاقوا ذات يوم من نومهم المغناطيسي ، على صرخات أطفالهم الغرثى ، ليرفعوا اكفهم في وجه الشيخ وزبانيته ، وتعلو أصواتهم قوية تهزّ كل ما كان يستند عليه ، وتحمّلوا ردّه القاسي جدا ، لكنهم في آخر المطاف انتصروا فأنقذوا أنفسهم وقريتهم من الضياع ،اثر تعنّت الشيخ وجلاوزته وفسادهم الذي أكل اليابس والأخضر ، واستطاعوا أن يعيدوا الهيبة والكرامة والعزّة لأنفسهم أولاً ، وان يعمرّوا قريتهم لينمو الزرع والضرع وتعلو الابتسامة الوجوه نظرةً سعيدةً ثانياً !! تذكّرت هذه الحكاية ونحن نعيش الآن في أحلك الظروف وأقساها اثر تفشّي الفساد والمحاصصة والمحسوبية والتخبّط في كل شيء ، قرارات تصدر يوما بعد آخر بلا دراسة أوتمحيص واستطلاع آراء أبدا ، كلها تأكل من أجساد الفقراء ، أبناء هذا الوطن الذين ذاقوا مرارات كثيرة من ظلم وتجويع وحروب ، و سؤال يتبادر إلى أذهان الناس جميعا :ــ ما حكايتنا ووطننا من أكثر الأوطان امتلاكا للثروات ، الطبيعية والنفطية والحيوانية والصناعية والزراعية والسياحية والدينية والمنافذ الحدودية وما إلى ذلك من جوانب تجعل من اقتصادنا أقوى اقتصاد في العالم ، لو استطعنا أن نستثمره أفضل استثمار ، لكننا نعاني من أزمات لا مثيل لها ؟!!! وما القرارات الأخيرة وارتفاع سعر الدولار مقابل انخفاض سعر الدينار العراقي وبمباركة جميع الجالسين على الكراسي ، إلاّ ضربة قاصمة للفقراء تحديداً ، كذلك الضرائب والاستقطاعات التي سيواجهها الموظفون بعد أن سرقوا ثلاث سنوات من أعمار خدمتهم القانونية ، والتي ستعيد الغالبية العظمى من أبناء الشعب إلى زمن الحصار الجائر الذي أكل اللحم وترك الجلد على العظام !! يا أيها السياسيون الذين تتحكمون بمصائر الناس في هذا البلد الغني ، الذي أفقرتموه ؟! التفتوا قليلا إلى الماضي وتأملوه جيدا ، واتّعظوا من مصائر الظالمين والفاسدين والطغاة عبر التاريخ ، قبل أن يضيع منكم الخيط والعصفور، ولن تجدوا حتى حفرة تلوذون بها ، فمهما صبر الناس على الظلم والفساد لابد أن يثوروا ذات يوم وثورتهم بركان !!!!

  • Related Posts

    بين حديث (تهدئة النفوس) واعترافات (واد الفتنة)… 7 سنوات من البحث عن الطرف الثالث

    كتبت كريمة الأسدي  لم يمضِ يوم واحد على ظهور النائبة زهرة لقمان في برنامج «مع منى سامي»، وهي تتحدث عن الحاج أبو حسن العامري، قائلةً: «فديته أبو حسن»، ومشيرةً إلى…

    لماذا ندافع عن وطن ليس لنا فيه بيتاً !

    كتبت أشواق الجابر / نائب رئيس التحرير      البيت يعني الوطن  ، وللاسف في وطني الفقير ليس له وطن ، ويبدو ان  الدستور العراقي  لعام 2005  ،  اصبح حبراً على ورق…

    اترك تعليقاً

    لا يفوتك

    البانيزي في طريقه للأمم المتحدة : استراليا تعمل على منع الضرر للأطفال عبر الإنترنت

    البانيزي في طريقه للأمم المتحدة  : استراليا تعمل على منع الضرر للأطفال عبر الإنترنت

    منح المفكر الكوردي د.عز الدين مصطفى رسول جائزة العنقاء الذهبية الدولي للسلام

    منح المفكر الكوردي د.عز الدين مصطفى رسول جائزة العنقاء الذهبية الدولي للسلام

    محمد برجاوي : هل يليق بمنصة (AFIC) أن تهبط إلى مستوى الخلافات الشخصية؟

    محمد برجاوي : هل يليق بمنصة (AFIC) أن تهبط إلى مستوى الخلافات الشخصية؟

    محمد برجاوي وبيان الاتحاد الإسلامي في أستراليا، تجني وتشهير !!!

    محمد برجاوي وبيان الاتحاد الإسلامي في أستراليا، تجني وتشهير !!!

    النجم العربي الكبير وليد توفيق يتالق في استراليا

    النجم العربي الكبير وليد توفيق يتالق في استراليا

    وزير داخلية حكومة إقليم كردستان : ندعم جهود الحكومة الاتحادية في الامن والسيادة

    وزير داخلية حكومة إقليم كردستان :  ندعم جهود الحكومة الاتحادية في الامن والسيادة

    Primary Color

    Secondary Color

    Layout Mode

    Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961