تحقيقات

المتنبي الشاعر والشارع والذاكرة / بقلم وديع شامخ

في ذكرى حريق شارع المتنبي .. نبض الثقافة العراقية وجادة المعرفة وعشقنا الأزلي .. انشر مقالة سابقة عن ذكرياتي في هذا الشارع العظيم ، الذي لا يريد له خفافيش الظلام أن يكون منارة العقل العراقي المبدع … لقد قطعوا أوصاله وذبحوه كما ذبحوا الشعب والصفوة المثقفة …. اليوم يستعيد المتنبي عافيته رغم أنف دعاة الجهل والظلام ..
…….
وديع شامخ / سدني

يقع شارع المتنبي في الذاكرة العراقية الحيّة بوصفه شارعا ” للعقل” والأحتفاء بنتاجه الجمالي والفكري والانساني.. ، ومن أهم صفات هذا الشارع إنه جامع المتناقضات.. ربما هو السمة البارزة للتعبير عن الشخصية العراقية المتجولة في هذا الشارع، اليقظة، المتحمسة ، المبدعة ، المقتنية، المتشاطرة، اللعوب، البائعة، المشترية، العارضة ، المعروضة.. الحاكمة ، المحكومة، الضحية، الجلاد.
شارع تتجاذبه القمم الابداعية ، وتفترش أرصفته قامات أخرى تبيع الكتب وما ندر من جليل القول وهيبة الكلام وبوح الألوان ..يقف البائع والمقتني على مهابة دائمة من مكتبات ومطابع ومشاغل تحتل أمكنتها على جانبي الشارع وكانت أول مكتبة أقيمت فيه هي «المكتبة العربية» التي أسسها نعمان الأعظمي ، ثم تلتها «المكتبة العصرية» لمؤسسها محمود حلمي ، و كانت أولى المكتبات التي آنتقلت الى شارع المتنبي لتأخذ ومكتبات أخرى مواقع متميزة فيه، أبرزها: «مكتبة المثنى» التي أسسها قاسم محمد الرجب والتي سرعان ما أصبحت من أكبر و أهم مكتبات بغداد، ” والتي تعرضت الى حريق هائل قبل واقعة تفجير الشارع الارهابية” وكذلك «مكتبة المعارف» و «المكتبة الأهلية» و «مكتبة النهضة» و «مكتبة التربية» و «مكتبة دار البيان» التي أسسها الباحث والناشر علي الخاقاني، هذه المكتبات وغيرها التي إنتقلت من سوق السراي لتضيف نكهة أخرى للشارع، كانت تسمح بسخاء ومودة أستخدام أرصفتها للجدل العراقي، للهامش ، للمعارضة أن تنمو . إذ أن زمن الحصار الرهيب على العراقيين في تسعينيات القرن العشرين قد حوّل كثيرأ من الادباء والكتاب والمثقفين الى مهنة بيع الكتب على رصيفي بورصة المتنبي وعلى ارصفة وساحات اخرى من مدينة بغداد النازفة قلبا وعقلا…
لم انسّ الأيام التي كنت أحمل فيها ” دينارا عراقيا أزرق باشطا” في منتصف سبعينيات القرن العشرين ، وانا في طريقي الى مكتبة الجمهورية العامة ‘ في محافظة البصرة ،لأستعير كتابا ولمدة ثلاثة أيام ….
تلك عادة ألقى مرساتها ،أخي المثقف المبدع الشيوعي الشهيد صبري شامخ ،في بحر طيشي وحبي وولعي للقراءة.
كان بيتنا يتوافر على مكتبة تعجّ بروائع كتب السياسية والادب والدين والفلسفة والعلوم الاجتماعية والصرفة. تلك المكتبة التي إنتفخت وانتفخت ، الى أن تحولت بعد المد البعثي الهمجي، الى ” كواني.. أكياس من الخيش ” كأنها جثث نُهّربها من بيت الى بيت خوفا من مداهمة السلطة لبيتنا بعد إعتقال اخي “أبو فراس” في عام 1981،راحت المكتبة وأعدم صاحبها ومؤسسها وجثم الألم على الصدور، ولكن جذوة المعرفة لم تمت .. فبقيتُ أٌرمّم ما أستطيع لجمعها ومعي أخوتي ، وَنمَت مكتبتنا ثانية .. حتى جاء زمن السنين العجاف ، فنزل الكتاب الى السوق، بضاعة رخيصة ومخيفة في آن واحد ، وإذ كان الخجل من مهنة الوقوف على الرصيف ماثلا على وجهي في حينها ، فكنت أجمع ما أستطيع حمله يوميا وأعطيه الى صديق شاعر، كنسَ الزمن الرديء دفاعاته النفسية في الخجل قبلي، في سوق البصرة القديمة حيث ” يبسط” في الكتب، وأنا أنتظره عند غروب الشمس وهو يأتي بحفنة من الدنانير تتناسب مع كمية ونوعية ما أكسره يوميا من أضلاع مكتبتنا البيتية!
كان الصديق يشفق عليّ عندما يراني أطير بالدنانير فرحا، بعد أن كنت في وفرة يحسدني عليها آخرون .
نعم.. الكتب مقابل الطماطة، والخمرة الرخيصة ، والأصدقاء ، وأسباب البقاء على قيد الحياة الابداعية.. ومضت الأيام وتبخرت المكتبة بعد ان كانت ” الكواني” تصل الى السيد ” عبد البطاط” صاحب مكتبة ماجد ، ليشتريها بثمن بخس، وتورم الألم في صدري وأنا أرى بعضهم يشتري كتبي والتي تحمل إمضائي واسمي ، ويتندر من حاجتنا !!
كلّ محنة تمر بنّا لا بد ان يتحمل وزرها الكتاب ، وكأنه داؤنا العضال ، الذي لا فكاك منه ..
كتبي التي قال عنها يوما ” عادل مردان : بعها فقد انطبعت في رأسك ” ، نعم إنطبعت في رأسي وصارت مداد قلمي ونتاجي ، أشعر بعافية تلك الأيام التي تعلمنا منها وبها كيف نقرأ الكتاب استعارة قبل الشراء، أتذكر بحب شارع المتنبي وانا أفترش بسطتي فيه عندما أضطرتني الظروف لمغادرة البصرة الى بغداد..
أتذكر بحب كل كاتب ومؤلف عظيم علمني الأرتشاف من بريق الكلمة وضوء فكرها ، أشكر كل من إشترى كتابا مني وخفف عني حاجاتي اللامتناهية .
كيف أنسى خالد عبد الزهرة وهو يشاطرني محنتي في خزن الكتب في غرفة رطبة مظلمة في حواري منطقة الفضل البغدادية الشعبية حد النخاع .
كنت بائعا فاشلا ، أُعيّر وأهدي من ” بسطتي” وكانت محطة صغيرة لأصدقائي الذين يتوافدون يوم” الجمعة العظيمة ” الى شارع المتنبي من البصرة وبغداد وكافة المحافظات. أتذكر أصدقائي اليوم وكتبي .. أتذكر سر صناعة العقل من رحم الألم والمعرفة .. أنها المكتبات وأكسيرها العجيب..
رحلة من الألم .. ولكنها رحلة المعرفة والمغامرة أيضا شهد آخر فصولها شارع المتنبي .. الذي كان أحد مصادر المعرفة الثرة للكثيرين ، المعرفة التي صقلت موهبتي في حقل الإبداع المليء بالالغام ، والمغامرة التي قذفت بيّ الى أقصى مدينة في غرب استراليا .. نعم لولا الكتاب وسره العجيب لكنت تاجرا متورما بعافية الآخرين … وسيبقى قلبي يرف لهذا الشارع الذي شهد فصولا من تاريخ نضجنا الإبداعي ومأساتنا الانسانية المتلاحقة.

  • رئيس تحرير مجلة النجوم الاسترالية في سدني 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق