ستينيات الصخب والعنف في الموسيقى والأنغام

علي عبد الأمير عجام*
تميز عقد الستينيات في القرن الماضي، عراقياً، بالتحول من التناسق الجغرافي- الثقافي إلى الفوضى الاجتماعية الثقافية كما مثّلها حدث 14 تموز/يوليو 1958 مؤشراً لانهيار التراتب الاجتماعي، وبالتالي التراتب القيمي والفكري للمجتمع.
وبوصول الرموز “الشعبية” للسلطة، اختلطت الأشكال الروحية، ولتضيع ملامحها في فوضى الوضع الاجتماعي، فأصبح، مع غياب التنافس بين شركات الإنتاج الخاص في الوسط الفني وتحوّل الفنون والثقافة إلى سيطرة الدولة واستخدام الموسيقى في الدعاية الوطنية، بإمكان المسؤول “الأمي” ذوقياً، أن يحدّد ما شكل الغناء والموسيقى الذي تسمعه “الجماهير”، اعتاداً على مسؤوليته الوظيفية المطلقة التي كرّستها لا الكفاءة، وإنما الولاء للسلطة. وإزاء سيطرة الدولة على مرافق الإنتاج الفكري والفني، ضاعت المبادرة الفردية المبدعة، وضاع غنى التعدد البيئي والثقافي للأنغام.

السيمفونية العراقية في مهب “الثورات”
هذا التحول “الفوضوي” وجد مثالاً رفيعاً في المصير الذي تعرضت له الفرقة السيمفونية الوطنية العراقي التي سيطرت الحكومة عليها وجعلها واقعياً، تشكيلا وظيفيا تابعا لها من الناحية الإدارية، بعد أن كانت جمعية ثقافية أهلية بعنوان “جمعية بغداد الفيلهارمونية”.
ومع التطبيق الحقيقي لمبدأ “الثورة تأكل أبناءها” وهو مبدأ ميز الكثير من التحولات الصاخبة في عقد الستينيات عراقياً وعربياً ودولياً، جاء حكم عسكري في إنقلاب شباط/فبراير 1963 بموجة دموية وعنفا أكبر من الموجة الأولى، لكن ظل أمينا على تقليد “ثوري” يتمثل بإسناد العمل الفكري والثقافي للعسكر، فوصل لمنصب وزارة الإرشاد (الثقافة والإعلام لاحقاً) ضابط برتبة عميد (زعيم) ركن أيضاً، هو دريد الدملوجي، الذي جاء منسجما مع فكرة “الثورة تأكل أبناءها” فاذا كان وزير المعارف الأسبق، الزعيم الركن اسماعيل العارف قام بتأميم الفرقة السمفونية، فالوزير الجديد (آنذاك) لا بد له من مخالفة وزير الحكم الذي انقلب عليه، فقام بإلغائها لـ”المحافظة على الخط القومي والمسیرة القومیة”.
في مثل هذه الأجواء ضاع الشكل المديني لأداء الألحان والأغنيات، ضاعت الأغنيّة البغدادية، في نهاية الستينيات، وأصبح ابن المدينة يسمع أغنيّات، لا تخفي لهجتها الريفية، أو البدوية، في الوقت ذاته، الذي بدأت الأصول الفلاحية والبدوية للقادة السياسيين والحكوميين تتحكّم في نمط حياة المجتمع والبلد ككل، ليضيع بذلك ذلك الغنى الجغرافي – الثقافي لصالح “تصحر” النمط السائد، مع إن المشهد النغمي لا يتأسّس في مجال الغناء الشعبي وحسب، فظلت مجالات الموسيقى الرصينة عصيةً بعض الشيء على “فوضى التحوّلات” الجغرافية الاجتماعية والذوقية، أولاً لقوة مراس فنّانيها، وثانياً لرسوخ الأصالة اللحنية لأشكال موسيقية، ليس من السهولة محو تأثيرها الروحي.
وعلى سبيل المثال حين كانت المطربة عفيفة اسكندر توصف بـ”مطربة العهد الملكي” لحسن علاقاتها مع رجالاته، في السياسة والجيش والفكر والفن، فهي لم تتوقف عن مواصلة فنّها من بعد ضموره. لكن، ما إن بدأ عصر الرفعة الاجتماعية في العراق يطوي صفحاته شيئاً فشيئاً مع عقد الستينات، وتراجعت قيم المدينة لمصلحة الريف والبادية، كان من الطبيعي أن تتسرب مفردات تلك القيم إلى نصوص أغنياتها اللاحقة وألحانها، لتذهب إلى”شعبوية”عادية معها اندثرت أغنية المدينة (الأغنية البغدادية) لمصلحة أغنية ريفية أو هجينة غير محددة الملامح.
ومع نهاية الستينيات كان آخر أهل الموسيقى الشعبية المعاصرة في العراق، ألا وهم اليهود، قد ابعدوا عن بلادهم، ولحقوا بالجيل الذهبي المؤسس، جيل الأخوين الكويتي وغيرهما.

صعود جيل موسيقي جديد
قوة مراس الفنانين في الموسيقى والغناء تمثلت في أعمال شذت عن مسار الأنهيار، بل أن تلك التحولات شهدت صعود جيل جديد في الغناء والتلحين، خذ كوكب حمزة وطالب غالي وجعفر حسن مثالاً على حمل شعلة الفن الرصين على الرغم من الفوضى السياسية والاجتماعية، مثلما علينا استذكار الأصوات النسائية الرقيقة وتأثيرها الجميل فمن الحزن الثقيل في صوت زهور حسين إلى الإناقة المدينية في صوت مائدة نزهت والدلع الأنثوي عند أحلام وهبي دون أن ننسى صوت وحيدة خليل الذي ظل “ريفيا”ً ولكن في سياق مديني مرهف.

الموسيقى أعمق من “الثورة” وشعاراتها
في حين سقطت أعمال أدبية وفنية كثيرة في حماسة فجة تأثراً أو ملاحقة لـ”التحولات” التي أفرزتها “ثورة يوليو” في مصر 1952، ظل الموسيقار محمد عبد الوهاب يقرأ تلك الوقائع حسب “رؤية” موسيقية مستقلة أبعدته عن الحماسة التي لم تكن أصلا تلتقي بمنابعه الفكرية الشخصية الأقرب الى المحافظة وبالتالي هي أبعد عن “التحولات الثورية”، ولكن احتفاظ صاحب “الجندول” بالجوهر الموسيقي العميق لأعماله جعله، عن قصد أم دونه، صاحب أعمق الأعمال الموسيقية والغنائية التي رافقت مرحلة ” صعود الناصرية”، وامتدت من أواسط خمسينات القرن العشرين وستينياته، و”وثّقت” لأبرز تحولاتها (معاركها).
وهناك رأي يقول بعكس ما ذهبنا اليه من “تردد” موسيقارنا في الاندراج بمرحلة التعبير الفني عن “الثورة”، ومفادها ان الرجل “تخلى عن قراره اعتزال الغناء وتفرغه للتلحين، وراح فى حماس بالغ لـ “ثورة يوليو” يطلق سلسلة من الأعمال الوطنية التى غناها بنفسه، أو شارك فيها غيره كمجموعة مطربين، يصاحبها أصوات كورس متميز وعلى مستوى عال من التدريب” في اشارة الى أعمال “يا نسمة الحرية”، “الدنيا بقت حرية”، “زود جيش أوطانك” و”أنشودة الجلاء “( قولوا لمصر تغني) التي شهدها عقد الخمسينيات، و”بطل الثورة”، “ناصر”، “الجيل الصاعد”، “صوت الجماهير”، “وطني الأكبر” وغيرها فى الستينيات.
إن أعمال عبد الوهاب الغنائية والموسيقية التي ارتبطت بالمرحلة الناصرية، هي نتاج طبيعي ومتصل بتلك المرحلة، لكن هذا لايمنع من إمكان إعادة الاعتبار “الثقافي” لتلك الأعمال لو توفر الموسيقيون المصريون أو العرب بعامة على رغبة صادقة في تقديمها، وفق الشكل البارع الذي انتج فيه عبد الوهاب عدداً لا يستهان به من القطع الموسيقية، أي أن يعاد توزيع تلك الأعمال كمقطوعات موسيقية مجردة، فالبناء الموسيقي الراقي في تلك الأعمال يظل أرفع بكثير من “موضوعاتها التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالنظام السياسى بكل رموزه وشعاراته”.
عربياً أيضاً ظل الرحابنة نبعاً للنتاج النغمي الرفيع لكن بلا صخب الثورات والتحولات السياسية – الثقافية الصاخبة حتى ما بعد هزيمة حزيران العام 1967، بينما علا صوت الأناشيد “الثورية” الفلسطينية لتصبح لوناً نغمياً جديداً هو ابن المرحلة السياسية لما بعد الهزيمة، ومنه خرجت تجارب كثيرة في اللحن والأداء ظلت قريبة إلى أسماع فتيان عقد الستينيات الهادر وشبابه.

الروك كاحتجاج موسيقي
ولا تكاد التحولات الثقافية التي ميزت عقد الستينيات تجد مثالاً حيوياً لها مثلما وجدته في الموسيقى الشعبية الغربية، فقد سقطت الأشكال الغنائية الكلاسيكية في لندن، باريس ونيويورك لصالح موسيقى الغضب التي مثلتها أنغام الروك.
ففي أوائل ستينيات القرن الماضي بدأ جون لينون (عضو البتلز) و المغني وعازف الغيتار الشهير أريك كلابتون بعزف الالحان والاغنيات المأخوذة أصلاً عن نصوصها الأصلية في الولايات المتحدة من موسيقى “الروك” و”البلوز”، كل ذلك بذائقة موسيقية شابة وأحلام بوهيمية. كما أن المغني والشاعر الأميركي بوب ديلان (فاز بجائزة نوبل للأداب 2016) كان يقدم نسيجاً لحنياً يبدو متماثلاً مع قصائده المتضمنة للغضب والنقد العميق للقيم الرأسمالية المتوحشة، بل أعمال مثالية عن الاغتراب الانساني وأزمة الفرد الواعي في المجتمعات المعاصرة. إن موسيقيي فترة الستينيات أظهروا حرصاً على تقليل الفجوة بين مفهومي “العالي ” و ” الواطئ ” في الثقافة، وقدمت فيها موسيقى الروك تطبيقاً حقيقياً لفكرة أن الأنغام هي “باروميتر” الوعي الاجتماعي كما يؤكد العديد من نقاد الموسيقى.

  • كاتب وصحفي عراقي مقيم في امريكا 

اضف رد

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الفنانة المغربية فاطمة كليين : أعمالي الفنية فيها رائحة الوطن الام وانكسار المهاجرين

كانبيرا / كتب محمد بكر أستضاف مركز بلكونة للفنون في العاصمة الاسترالية ...