تأجيل الإنتخابات الرئاسية الجزائرية مع مراعاة المصالح الإقتصادية الفرنسية

فؤاد الصباغ *

فؤاد الصباغ – تونس

كثر الحديث و الجدل اليومي في وسائل الإعلام المكتوبة و المرئية الجزائرية أو حتي العالمية حول مدي الشرعية الدستورية لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لعهدة خامسة نظرا لحالته الصحية السيئة جدا. فالرئيس مريض منذ فترة طويلة و هو غائب عن الوعي الكلي أو الجزئي أحيانا لذلك كان من واجب الحزب الحاكم إيجاد بديل جدي لشخصية فعالة قادرة علي الترشح للإنتخابات القادمة المؤجلة خلال سنة 2019. إن الإستخفاف بالطبقات المثقفة و إهانة منصب الرئاسة بمثل تلك الطريقة ستؤدي إلي إنحراف المسار الديمقراطي الإصلاحي و التنموي نحو المجهول. فكان من الأجدر تكريم الزعيم بوتفليقة عبر خروجه المشرف من الحكم ليتم تخليده في ذاكرة التاريخ. إذ بعد الترشح للعهدة الخامسة و العودة من جنيف بعد العلاج الروتيني و في ظل تواصل الإحتجاجات الشعبية المتواصلة و دخول الجزائر في فوضي عارمة تم إتخاذ قرار تأجيل الإنتخابات الرئاسية الجزائرية إلي وقت لاحق. أما المصالح الإقتصادية الفرنسية في الجزائر تدخل هي أيضا علي الخط مباشرة و تواكب هذا الحدث الإنتخابي الذي من واجب و مسؤولية الجميع إنجاحه و لو أن الرئيس بوتفليقة قد إتخذ القرار النهائي لتأجيل الإنتخابات و ذلك من أجل إمتصاص الغضب الشعبي و الدعوة لعودة الهدوء في الشارع ثم سيتم بعد ذلك طرح مخرجات للأزمة عبر الحوار الوطني و تغيير النظام إلي برلماني و تسليم السلطة بطريقة سلمية للجميع. أما في المقابل فإن السيناريوهات المحتملة بعد الإنتخابات الرئاسية القادمة ستأخذ منعطفا جديدا في النظام الرئاسي بحيث من الممكن أن يتحول نظام الحكم من رئاسي إلي برلماني و ذلك بطرح إستفتاء شعبي لتعديلات دستورية عميقة تمثل جوهر الديمقراطية المستقبلية بالجمهورية الجزائرية الجديدة.
تأجيل الإنتخابات الرئاسية
مما لا شك فيه تعد الإنجازات العظيمة للرئيس بوتفليقة خلال فترة حكمه ثورة وطنية تمثل فخرا و إعتزازا لكافة الجزائريين. فكانت مسيرة الرئيس حافلة بالإنجازات الإقتصادية, الثقافية و السياسية بحيث تطورت في عهدته البنية التحتية للجزائر و تعززت مكاسب التنمية الإقتصادية علي كامل ربوعها و تحولت الثروات الطبيعية إلي قوة مالية إنعكست بالنتيجة إيجابيا علي رفاهية كافة الطبقات الشعبية الجزائرية. أما منوال التجربة الإشتراكية الشعبية حققت لكافة الشعب الجزائري العدالة الإجتماعية مع تلبيتها للحاجيات الأساسية للمحتاجين و الفقراء. كما ساهمت صناديق الدعم و التعويض للمواد الأساسية في تقليص نسبة الفقر بحيث إستفادت الطبقات الشعبية من بعض الخدمات المجانية مثل التعليم و الصحة و خاصة منها إستهلاك المياه الصالحة للشراب. لكن شتان بين الأمس و اليوم, إذ تغيرت الصورة لذلك الفتي الشاب الطموح بوزارة الخارجية في عهد حكم الرئيس السابق الهواري بومدين حتي بلوغه لمنصب الرئاسة في مسيرة عمل طويلة من خطابات رنانة و قوة شخصية مهيبة, وصولا اليوم إلي تلك الحالة المزرية من العجز التام عن الحركة و الوهن الكلي و سوء الفهم. فالرئيس منذ إصابته بجلطة دماغية أولي في أواخر العشرية السابقة مع تكرار تلك الحالة من الإصابات طيلة العشرية الحالية و خاصة منها تلك الجلطة الحادة التي أصيب بها سنة 2013 بحيث مكث زمن طويل في مستشفيات غراس بفرنسا للعلاج من هذا المرض الخطير جعلته غير قادر علي التواصل مع الجميع أو الحركة بسهولة كالسابق. إن الرئيس بوتفليقة المريض لا يمكنه أن يعطي المزيد و هو في حاجة ماسة للتقاعد و الإهتمام أكثر بصحته علي أن يهتم بشؤون دولة و إدارة سلطة تحتاج إلي مجهودات و طاقات كبري لتسيير الشؤون الداخلية سياسيا و إقتصاديا و السهر علي العلاقات الدولية مع الشركاء و الحلفاء الإقلميين و الدوليين الدائمين. فعلي هذه النتائج و مع تواصل الحراك الشعبي في الشوارع الجزائرية و تصاعد أعمال العنف و التخريب قرر الرئيس تأجيل الإنتخابات إلي وقت لاحق حتي يتسني للجميع التحضير للندوة الوطنية و الإستعداد لتعديل الدستور و تغيير نظام الحكم.
مصالح الإمبراطورية الفرنسية
قال تشرتشل ذات يوم “إن فرنسا هي التراب و فرنسا هي أيضا الإمبراطورية” و إنطلاقا من هذه المقولة الشهيرة يتضح لنا بالكاشف مدي تغلغل السلطة الفرنسية في مستعمراتها السابقة. فبالطبع كان خروج فرنسا من تلك المستعمرات رمزيا و عسكريا فقط لكن الجوهر بقي الإحتلال الثقافي و السياسي و الإقتصادي متواصلا إلي الآن. فمن البوابة الإقتصادية تتضح للجميع مدي حرص الإدارة المركزية الفرنسية عبر سعيها للحفاظ علي مصالحها السياسية و الإقتصادية الإستراتيجية في دولة الجزائر. كما أن بعثاتها الدبلوماسية هي التي تتدخل بالأساس في السلطة التنفيذية الجزائرية و كذلك في كافة دول القارة الإفريقية بتعلة حماية مستعماراتها و الوصاية عليها تجاريا و ماليا. فلا يمكن الجزم اليوم أن فرنسا هي بعيدة عن تلك الأحداث الحالية بالجزائر خاصة منها ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقية لولاية خامسة. بالتالي تراقب الإمبراطورية الفرنسية علي أرض الميدان الأحداث الجزائرية المحلية بحيث لا يهمها من يحكم أو من في السلطة بقدر حرصها علي متابعة التقارير الإستخباراتية اليومية و جمع المعلومات الشاملة و الكاملة التي تحدد من خلالها مخططاتها و نظرتها الإستشرافية البعيدة الأمد. إذ يوميا تنقل التقارير السياسية, الإقتصادية و المالية للإدارة المركزية بفرنسا و علي تلك النتائج من التقارير يتم إتخاذ القرارات اللازمة الردعية أو السلمية من أجل الحفاظ علي مصالحها التجارية و المالية خاصة منها ما يخص مصادر الطاقة كالنفط و الغاز و غيرها أو أسواقها الإستهلاكية الترويجية و حماية مستثمريها الفرنسيين بتلك الدولة. كما قال أيضا تشرتشل “لا يوجد صديق دائم أو عدو دائم بل توجد مصالح دائمة” بحيث لا يشكل لها ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة أو تأجيل الإنتخابات الرئاسية القادمة تهديدا مباشرا لمصالحها الإقتصادية المستقبلية لأنها تعرف من يحكم حاليا الجزائر. أما بخصوص تخوفات الحكومة الفرنسية الحالية من المشهد السياسي الجزائري الحالي المتوتر مع تصاعد الإحتجاجات الشعبية و إنتشار الفوضي العارمة في الشوارع من خلال العصيان المدني و التمرد الشعبي الشامل تبدو واضحة نظرا لتجربة سنوات التسعينات التي كانت دموية و إرهابية بشتي المقاييس في تلك الدولة التي أصبحت تعيش فوق صفيح ساخن. إذ تعتبر تلك المنطقة برمتها قنبلة موقوتة تهدد الأمن الإقليمي و الدولي و أي حدث إنقلابي علي السلطة بالجزائر سينعكس سلبا علي دول الجوار و علي الدول الأوروبية نظرا لقرب المسافة و أيضا علي مصالحها الإقتصادية في مستعمرتها السابقة دولة الجزائر الكبري إفريقيا.
سيناريوهات
إن الجزائر تعاني اليوم من مأزق دستوري كبير فالرئيس يعتبر غائب كليا عن الوجود و ترشحه هو عبارة عن مجرد صورة متحركة لا أكثر و لا أقل. أما القرار الأخير لتأجيل الإنتخابات إلي وقت لاحق تعتبر مجرد جرعة مسكن بحيث لا توجد دلائل واضحة عن إعتزاله ممارسة السياسية. إذ عدم الترشح للعهدة الخامسة لا يعني إنساحبه الكلي بحيث تعتبر هذه مناورة سياسية لمواصلة مهامه علي السلطة التنفذية التي ممكن أن تتجاوز إلي ما بعد العهدة الخامسة في الجمهورية الجزائرية الجديدة الموعودة التي سيكون بوتفليقة زعيمها و راعي حوارها. كما أن طرحه للندوة الحوارية الوطنية و الإستعداد للتعديل الدستوري و تأسيس مجلس دستوري لكتابة الدستور الجديد ثم طرحه علي الإستفتاء الشعبي كلها ستتم خلال مدة زمنية تتجاوز العهدة الخامسة بالفعل و التي لا تقل عن خمسة سنوات.
إن تأجيل الإنتخابات هدفه الأساسي يتمثل في إمتصاص غضب الشعب مع تعزيز مواصلة الرئيس مهامه علي السلطة التنفذية إلي مدة أطول تتجاوز العهدة الخامسة و خاصة أن الندوة الوطنية ستتحول إلي ساحة لممارسة السلطة التنفذية مع مدة طويلة لكتابة الدستور الجديد و طرحه علي الإستفتاء الشعبي. إذا الجزائر تعيش حاليا علي صفيح ساخن من الأحداث السياسية المستقبلية التي من الممكن بدورها أن تؤثر علي الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية. فإنفجار ذلك البركان الشعبي أو الإسلامي سيؤثر مباشرة علي إستقرار الجزائر و سيعود بمشهد الأحداث الدموية التي عاشها ذلك البلد خلال فترة التسعينات بحيث كان بطلها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة الذي حقق من خلالها المصالحة الوطنية و السلم الإجتماعية و ساهم في تعزيز الإستقرار السياسي و الإقتصادي.

* كاتب وباحث أقتصادي  من تونس 


اضف رد