عصب حياة الفلوجة مغلق بأمر حكومي بعد أكثر من عام على تحريرها

عمان /  سلام الشماع 

في السادس والعشرين من يونيو 2016، أعلن قائد عمليات تحرير الفلوجة عبد الوهاب الساعدي انتهاء القوات العراقية من عملياتها العسكرية في المدينة بالكامل، وبعد يوم واحد رفع رئيس الوزراء حيدر العبادي علم العراق في الفلوجة معلناً تحريرها من داعش. لكن، بعد اكثر من عام على تحرير المدينة من قبضة تنظيم داعش، هل عادت الحياة إليها، وهل عاد اهلها الى منازلهم، وهل دارت عجلة الحياة الاقتصادية فيها؟؟؟ هذه الاسئلة وسواها تتردد على ألسنة الفلوجيين، الذين يرون أن عصب الحياة في المدينة هو الحي الصناعي، الذي يتولى تشغيل الآلاف من ابناء المدينة ويدير اقتصادها، والذي هو مغلق بأمر سياسي عسكري من الحكومة المركزية في بغداد. وبحسب الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، ليز غراندي، فان مدينة الفلوجة تتعافى من آثار الحرب والدمار، وحصل أكثر من 60 بالمئة من سكان المدينة على مياه شرب آمنة، بعد اعادة اعمار محطة الأزرقية لمعالجة المياه.
لكن مياه الشرب ليست وحدها مشكلة الفلوجيين، كما يقول أهل المدينة

وزير الكهرباء السابق عبد الكريم عفتان

 ويتابعون: إن الاهالي لم يتمكنوا، إلى الآن، من اعادة اعمار منازلهم، بصفة لائقة، مشيرين إلى أن هذه المنازل، على حالها الخرب، أفضل لهم من مخيمات النزوح التي عاشوا فيها.
يقول عامر غسان الكبيسي، ابن الفلوجة التي غادرها الى السليمانية وعاد اليها بعد تحريرها من تنظيم داعش، إن نحو 80 بالمائة من اهل مركز الفلوجة الذين يبلغ عددهم نحو 500 الف نسمة عادوا الى مدينتهم، لكنهم يواجهون مشكلات كبيرة وكثيرة. وأول هذه المشكلات، هي إعادة بناء منازلهم المدمرة، فالكثير منهم لا يملكون المال اللازم، ومن يملكه فانه يواجه عقبات الاسعار المرتفعة لنقل مواد البناء والانشاءات من بغداد إلى الفلوجة، اذ يطالب سائقو الشاحنات بثلاثة أضعاف الأجرة المعتادة بسبب أيام الانتظار، التي يقضونها لعبور سيطرة الصقور المؤدية الى المدينة.
وبالاضافة الى هذه المشكلة، يتابع الكبيسي، فإن هناك مشكلة الألغام والعبوات المتفجرة، إذ تم تطهير قرابة مليوني متر مربع من المناطق الملوثة، ما سمح ببدء نشاطات الاستقرار ومكن العائلات من العودة الى الفلوجة واستئناف حياتها، لكن هناك عبوات مازالت مزروعة بعضها في بيوت لم يعد إليها أهلها.
اما عمر سليمان الجميلي، وهو من أبناء الفلوجة العائدين إليها بعد تحريرها، فيقول إن الحياة على صعوبتها في الفلوجة، الا انها افضل بكثير من الوضع في المخيمات، مضيفاً أن اعمار المدينة يحتاج الى جهد دولي كبير وليس حكومياً فقط، فقد دمر تنظيم داعش المدينة بينما أتت معارك التحرير على ما تبقى من معالم في المدينة.
ويوضح: نتيجة لداعش والعمليات العسكرية تم تدمير 27 مسجداً و12 مدرسة و21 دائرة حكومية بينها جسر الفلوجة الثالث، بالاضافة الى الاف البيوت والمحال العائدة للمواطنين.
ويتفق وزير الكهرباء السابق عبد الكريم عفتان مع الجميلي على أن المناطق المدمرة تحتاج، فعلاً، الى جهد دولي وشركة استثمار عالمية، من اجل اعادة اعمارها. ويقول ان المحرك الاساس للاقتصاد في الفلوجة والمناطق المحيطة بها، هو الحي الصناعي الذي يستطيع تحريك عجلة المال في المدينة، لكنه مازال مغلقاً بوجه اصحاب المحال، بسبب قرار سياسي وعسكري اتخذ في بغداد.
ويعد الحي الصناعي في مدينة الفلوجة ثاني اكبر تجمع صناعي في العراق، بعد الحي الصناعي في محافظة النجف، ويمثل شريانا اقتصاديا مهما لأبناء المدينة، فهو يمثل مصدر رزق لأكثر من60 بالمئة من السكان، فضلاً عن المستفيدين من الخدمات الصناعية والميكانيكية، التي يقدمها لأبناء المدينة.
يقول عفتان ان الآلية التي اعتمدتها الحكومة المحلية تقضي بأن يتحمل شاغلو المحال الصناعية أجور بناء السياج الأمني لكنها فرضت (100 – 300) ألف دينار على كل صاحب ورشة او معمل ينوي العودة الى عمله داخل هذا الحي، وقد قدم الفلوجيون المال من أجل اعادة افتتاح الحي، لكنهم فوجئوا، بحسب عفتان، أن الحكومة المحلية تطالبهم بكلفة نصب نقطتي تفتيش لدخول المنطقة الصناعية والخروج منها مزودة بكاميرات مراقبة، وايضا قدم الفلوجيون المال لانجازها، ولم يتم افتتاح الحي.
ووفقاً لعفتان، فان قائد عمليات شرق الانبار اللواء سعد حربية طلب ايضاً صحيفة اعمال لكل صاحب محل او ورشة في الحي الصناعي، وقد قدم كل منهم هذه الصحيفة، لكن الحي لم يفتتح، حتى كتابة هذا التقرير، مشيراً الى ان اللواء حربية ابلغه ان القرار يجب أن يصدر من بغداد، وعلى الرغم من تعاطفه مع السكان المحليين، الا ان اللواء حربية غير قادر على اتخاذ قرار اعادة فتح الحي الصناعي.
يقول حميد العيساوي، وهو صاحب ورشة حدادة، “لا غنى لنا عن الحي الصناعي ومنشاته، فهو يمثل علامة فارقة للمدينة لما يحتويه من معامل وورش تقدم خدمات جبارة ليس للمدينة وحدها وإنما للمدن والقرى المجاورة لمدينة الفلوجة، فلا ضير من تحمل بعض النفقات لأننا نثق أن القوات الامنية والحكومة المحلية ستسعى الى إيجاد طرق واليات تسهم في دعم الحي الصناعي، وإعادته الى سابق عهده.”
لكن ابو مجيد العكيشي، وهو ايضا صاحب محل في الحي الصناعي قال ان “الجميع هنا من إدارة محلية أو قوات أمنية، ينظرون الى الحي الصناعي على انه بؤرة إرهابية تسهم في صناعة المفخخات والعبوات الناسفة، ولا ننكر إن هناك من كان يستخدم هذا الحي لأعمال إرهابية، إلا أننا لا نتحمل وزر هذا الخرق، نحن أصحاب ورش ومعامل نؤدي خدماتنا وأعمالنا لغرض توفير لقمة عيش شريفة، ولا علاقة لنا بالمخططات الإرهابية وما ينتج عنها”. ويضيف العكيشي “يجب أن تتكفل الدولة بإعادة اعمار هذا الحي وحمايته، لا أن يتحمل السكان المحليون نفقات تثقل كواهلهم”.
وكان عضو مجلس محافظة الأنبار راجح بركات العيفان، عزا استمرار غلق الحي الصناعي في الفلوجة الى “جهات سياسية تعرقل إصدار الموافقات الرسمية لافتتاحه”. وقال إن “هناك من يريد إبقاء الحي الصناعي في الفلوجة مغلقاً أمام الصناع والفنيين من أهل المدينة، لعرقلة الوضع الاقتصادي والمعاشي لأهالي الفلوجة ومنع تحسينه من خلال إغلاق مئات الورش والمحال التجارية”.


اضف رد