بقلم :سفانة الديب إعلامية وكاتبة
ليست كل زيارة سياسية تُقاس بما يُوقّع خلالها من اتفاقيات، فبعض الزيارات تأتي في توقيت يجعلها بحد ذاتها رسالة. وزيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا اليوم تبدو واحدة من تلك المحطات؛ لأنها تأتي في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد بالطاقة، والاستثمار بحرية الملاحة، بينما تبحث الدول عن شراكات أكثر قدرة على الصمود أمام التحولات والأزمات. الرياض وباريس لا تلتقيان اليوم من نقطة الصفر. العلاقة بين البلدين شهدت خلال السنوات الماضية انتقالًا واضحًا من التعاون التقليدي إلى شراكة أوسع تشمل الاستثمار والطاقة والنقل والثقافة والتعليم والتكنولوجيا، وصولًا إلى الملفات السياسية والأمنية. ويكتسب اجتماع اليوم أهمية خاصة مع انعقاد الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي–الفرنسي، وهو الإطار الذي أُنشئ لتعزيز التعاون طويل الأمد بين البلدين. كما أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الزيارة ستشهد توقيع عدد كبير من الاتفاقيات الاقتصادية، خصوصًا في قطاعات النقل والطاقة والصحة.
مشروع العلا
ومن الصعب الحديث عن تطور هذه العلاقة من دون التوقف عند مشروع العلا، الذي أصبح أحد أبرز نماذج التعاون السعودي–الفرنسي. فمنذ الاتفاق الحكومي الموقع عام 2018، دخلت شركات ومؤسسات فرنسية في مشاريع مرتبطة بالسياحة والثقافة والتراث والبنية التحتية والاستدامة، وتوسعت الشراكة لاحقًا إلى المجال الأكاديمي والبحثي، بما في ذلك التعاون مع جامعة باريس 1 بانتيون–سوربون. وهنا تحديدًا تظهر طبيعة العلاقة الجديدة: ليست مجرد شراء خبرة أو توقيع عقد، وإنما محاولة لبناء معرفة ومشاريع طويلة الأمد تخدم التحول الذي تشهده المملكة ضمن رؤية 2030. لكن ما يعطي زيارة اليوم وزنًا أكبر هو أنها تأتي في وقت لم تعد فيه قضية الطاقة مجرد ملف اقتصادي. مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، أصبح جزءًا من الحسابات الأمنية والسياسية الدولية، بعدما أثرت التوترات الإقليمية في حركة الملاحة والطاقة. وفرنسا والسعودية ناقشتا بالفعل أمن الملاحة وحرية الحركة في المنطقة، فيما تحدثت تقارير عن بحث مسارات بديلة للتجارة والطاقة وتعزيز الربط بين الشرق الأوسط وأ وهنا يصبح السؤال أكبر من هرمز نفسه: ماذا يعني أن يصبح تأمين طريق الطاقة جزءًا من بناء الشراكات الدولية؟ وماذا يعني أن تبدأ الدول بالتفكير في طرق بديلة تحمي اقتصاداتها من تأثير أي اضطراب في ممر بحري واحد؟ السعودية بالنسبة لفرنسا ليست فقط دولة منتجة للطاقة، بل سوق واستثمار ومشاريع تحول اقتصادي ضخمة. وفرنسا بالنسبة للسعودية ليست فقط شريكًا أوروبيًا، بل دولة تمتلك خبرات في قطاعات تحتاجها المملكة، من النقل والطاقة والثقافة والسياحة إلى التكنولوجيا والتعليم والصناعات الإبداعية، إضافة إلى ثقل سياسي ودبلوماسي يجعلها طرفًا مؤثرًا في الملفات الأوروبية والدولية. ولهذا تتقاطع المصالح بين البلدين على أكثر من مستوى. السعودية تبحث عن شركاء قادرين على المشاركة في مرحلة التحول الاقتصادي وتنويع مصادر النمو، وفرنسا تبحث عن حضور أعمق في واحدة من أكثر المناطق تأثيرًا في الاقتصاد والطاقة والسياسة الدولية.
بناء شراكات متعددة
وفي الخلفية، هناك ملفات إقليمية لا يمكن فصلها عن مستقبل هذه الشراكة، من أمن الخليج وحرية الملاحة إلى التطورات في إيران وفلسطين وغزة وسوريا ولبنان. وقد سبق أن أكد الجانبان أهمية التنسيق حول أمن المنطقة والاستقرار وحرية الملاحة لذلك، ربما لا تكون قيمة زيارة محمد بن سلمان إلى باريس في عدد الاتفاقيات التي ستُعلن فقط، وإنما في السؤال الذي ستجيب عنه نتائجها: هل تتحول الشراكة السعودية–الفرنسية من علاقة قوية إلى شراكة استراتيجية قادرة على صناعة حلول في زمن الأزمات؟ من العلا إلى الطاقة، ومن الاستثمار إلى الثقافة، ومن التكنولوجيا إلى أمن الممرات البحرية، تبدو المصالح بين الرياض وباريس أوسع من أن تختصرها صفقة أو زيارة. والتحدي الحقيقي الآن ليس أن يلتقي الطرفان، بل أن يحولا هذا التقارب إلى مشاريع قابلة للقياس، وشراكات مستدامة، ودور أكثر فاعلية في حماية الاستقرار. وفي منطقة أثبتت مرة بعد أخرى أن اضطراب السياسة يمكن أن يهز أسواق الطاقة والتجارة في العالم كله، تصبح الشراكات التي تُبنى اليوم أكثر من مصالح ثنائية؛ إنها جزء من إعادة رسم التوازنات. وربما لهذا تحديدًا تبدو باريس اليوم محطة مهمة في مسار سعودي يتجه إلى بناء شراكات متعددة، لا تكتفي بالتعامل مع أزمات اللحظة، بل تحاول أن تستعد لما بعدها.






