قراءةٌ نقديّةٌ في قصّةِ «زُوّارِ اللَّيلِ» للكاتب المغربي رحال امانوز

بقلمِ / الكاتبةِ الاردنية رزان الرابي 

في قصّةِ «زُوّارِ اللَّيلِ» يبرهنُ الكاتبُ رحال أمانوز على امتلاكِ حسٍّ سرديٍّ قادرٍ على تطويعِ الخيالِ في خدمةِ الأدبِ، إذ ينسجُ نصًّا يفيضُ بالغموضِ والتشويقِ، ويمنحُ القارئَ مساحةً واسعةً للتأمّلِ في المجهولِ، دونَ أن يفقدَ النصُّ توازنَهُ الفنّيَّ أو جاذبيّتَهُ السرديّةَ.

ويُحسَبُ للكاتبِ أنّهُ لم يجعلِ الحدثَ الغريبَ غايةً بحدِّ ذاتهِ، بل حوّلَهُ إلى بوّابةٍ للدخولِ في أعماقِ النفسِ الإنسانيّةِ، حيثُ الخوفُ، والدهشةُ، والشكُّ، وتلكَ الأسئلةُ التي تظلُّ عالقةً في الوجدانِ كلّما واجهَ الإنسانُ ما يتجاوزُ حدودَ إدراكِهِ. وهنا تتجلّى قيمةُ النصِّ؛ إذ يرتقي من مجرّدِ حكايةٍ خياليّةٍ إلى رؤيةٍ إنسانيّةٍ ذاتِ أبعادٍ نفسيّةٍ وفلسفيّةٍ.

كما يكشفُ رحال أمانوز عن قدرةٍ متميّزةٍ في إدارةِ الإيقاعِ السرديِّ، فلا تتسارعُ الأحداثُ على حسابِ الفكرةِ، ولا تتباطأُ بما يُرهقُ القارئَ، بل تسيرُ بانسيابيّةٍ تجعلُ التشويقَ حاضرًا من الاستهلالِ حتى الخاتمةِ. وقد أسهمَ هذا البناءُ المتقنُ في ترسيخِ حالةِ الترقّبِ، ليبقى القارئُ مشدودًا إلى مصيرِ الشخصيّةِ الرئيسةِ، ومتطلّعًا إلى اكتشافِ الحقيقةِ.

ومن الجوانبِ اللافتةِ في القصّةِ نجاحُ الكاتبِ في توظيفِ الغموضِ بوصفِهِ عنصرًا جماليًّا، لا وسيلةً للإبهامِ؛ فقد ظلَّ المجهولُ حاضرًا في ثنايا النصِّ، دونَ أن يفقدَ القارئُ خيطَ المتابعةِ، وهو ما يعكسُ وعيًا بطبيعةِ القصّةِ الحديثةِ التي تفتحُ أبوابَ التأويلِ، وتمنحُ المتلقّيَ دورًا في استكمالِ المعنى.

وتكشفُ لغةُ الكاتبِ عن ميلٍ واضحٍ إلى التصويرِ، حيثُ تتآلفُ المشاهدُ السرديّةُ لتمنحَ النصَّ طابعًا بصريًّا حيًّا، فيبدو وكأنّهُ يُعرَضُ أمامَ القارئِ في مشاهدَ متتابعةٍ. وهذهِ السمةُ تضفي على القصّةِ حيويّةً خاصّةً، وتعكسُ قدرةَ الكاتبِ على استثمارِ الصورةِ في خدمةِ الحدثِ.

إنَّ «زُوّارَ اللَّيلِ» تؤكّدُ أنَّ رحال أمانوز يمتلكُ مشروعًا سرديًّا جديرًا بالاهتمامِ، وأنّهُ من الأصواتِ التي تعرفُ كيفَ تمزجُ بينَ الخيالِ والإبداعِ، وبينَ التشويقِ والفكرةِ، لتقدّمَ نصًّا يلامسُ عقلَ القارئِ ووجدانَهُ في آنٍ واحدٍ. إنّها قصّةٌ تحملُ بصمةَ كاتبٍ يؤمنُ بأنَّ الأدبَ الحقيقيَّ لا يكتفي بإمتاعِ القارئِ، بل يدفعُهُ إلى إعادةِ النظرِ في المسلّماتِ، وطرحِ الأسئلةِ التي لا تنتهي.

وطن برس

Related Posts

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

بقلم: الدكتور عادل الحيدري / كانبيرا  ليست كل حالات الانتظار متشابهة؛ فثمة انتظارٌ يولد من الإيمان بأن الغد قد يكون أفضل، وانتظارٌ آخر يتحوّل، مع مرور الزمن، إلى محنة وجودية…

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

كانبيرا / محمد بكر  وصل العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بن الحسين إلى أستراليا في زيارة دولة تستمر يومي 13 و14 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تلبيةً لدعوة رسمية، تتضمن لقاءات…

اترك تعليقاً

لا يفوتك

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

بين انتظار المطر وانتظار غودو .. حيدر عبادي يرسم مأزق الإنسان المعلّق بين الأمل والخلاص

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الملك عبد الله الثاني يصل كانبيرا ويلتقي رئيسي مجلسي الشيوخ والنواب في أستراليا

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

الرئيس العراقي يبارك للبطلة أبنة العراق نجلة عماد فوزها بالمركز الأول في بطولة إسبانيا لتنس الطاولة البارالمبية

حروب العراق في ذاكرة المتحف الوطني الحربي في استراليا

حروب العراق في ذاكرة المتحف الوطني الحربي في استراليا

الماركسية والتمركس والماركسلوجيا كتاب جديد للمفكرعبد الحسين شعبان

الماركسية والتمركس والماركسلوجيا كتاب جديد  للمفكرعبد الحسين شعبان

انسحاب واشنطن…العراق يستعيد قراره ويعيد رسم المنطقة

انسحاب واشنطن…العراق يستعيد قراره ويعيد رسم المنطقة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961