وطن برس أونلاين

جريدة عربية مستقلة

أهم الأخبار ثقافة وفنون

أكرم محمد السراي.. ريشةٌ شابة تطوع الصبر وتصيغ ملامح الطموح

كتب : محرر الشؤون الثقافية
ليست كل البدايات صاخبة، ولا كل الأحلام تُولد تحت الأضواء؛ فبعض الرحلات الإبداعية تبدأ بهدوءٍ واثق، بخطٍ خجول على هامش دفتر، وبمحاولة بسيطة قد لا يُلتفت إليها كثيراً في حينها، لكنها تحمل في طياتها بذرة مشروع فني متكامل. هكذا يمكننا قراءة التجربة الغضة للفنان الشاب أكرم محمد السراي، الذي اختار أن يبني صرحه الفني على أعمدة التدرّج والتراكم، بعيداً عن القفزات العشوائية أو الرهان على الصدفة.
من ذي قار.. مدرسة البصر الأولى
وُلد السراي عام 2002 في قلب محافظة ذي قار، تلك البيئة الجنوبية المشبعة بالتفاصيل البصرية الملهمة؛ ريف ممتد، ووجوه سومرية تحمل حكايات الأرض، وألوان ترابية دافئة تغفو على وقع سكون يمنح العين فرصة التأمل.
لم تكن تلك البيئة مجرد مكان للعيش بالنسبة لأكرم، بل كانت أول مدرسة بصرية غير مباشرة شكّلت حسّه الفني، حتى قبل أن يدرك أن الرسم سيكون هو المسار والهوية.
الانعطافة الأكاديمية في الديوانية
مع انتقاله إلى مدينة الديوانية، بدأت ملامح القرار الفني تتضح؛ فلم يعد الرسم مجرد هواية عابرة لتزجية الوقت، بل تحول إلى شغفٍ يسعى للتعلم المنهجي.
ومن هنا جاءت خطوة الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة في الديوانية، المحطة التي شكلت نقطة تحول جوهرية في مسيرته. داخل أروقة المعهد، اكتشف السراي أن الفن ليس انفعالاً لحظياً فحسب، بل هو بناء هندسي ونفسي يحتاج إلى صبرٍ ومثابرة.
انغمس في دروس التكوين، وتمارين الظل والنور، ودراسة التشريح، وضبط العلاقات اللونية، مؤمناً بأن كل لوحة ليست نهاية عمل، بل هي بداية لسؤال جديد: كيف يكون التعبير أصدق؟ وكيف تأخذ الفكرة شكلها الأكثر توازناً؟
واقعية تعبيرية بلون الجنوب
تعلم أكرم على يد أساتذة كبار آمنوا بأن الموهبة وحدها لا تكفي ما لم تُصقل بالمراجعة المستمرة والنقد البنّاء. ومع مرور الوقت، بدأت ملامح أسلوبه تتبلور نحو “الواقعية التعبيرية”، حيث المزج الدقيق بين الانضباط الأكاديمي والحرية الشعورية.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في لوحته “امرأة من سوق الشرق الأوسط”, حيث تبرز امرأة محجبة تتقدم بثبات وسط زحام السوق، محاطة بضجيج الأقمشة والظلال الدافئة التي تعكس نبض الحياة اليومية الجنوبية برؤية فنية معاصرة.
حصاد الاجتهاد والاعتراف المهني
لم يكن هدف السراي الظهور السريع، بل التطور الحقيقي، وهذا الالتزام لفت انتباه الوسط الأكاديمي وقسم الإشراف التربوي.
وقد تُوجت هذه المسيرة الجادة بحصوله على ثمانية كتب شكر وتقدير، وشهادات تميز من معهد الفنون الجميلة، بالإضافة إلى تكريم خاص من قسم الإشراف التربوي بإشراف الأستاذة سحر شناوة.
هذه التكريمات، بنظر السراي، ليست منصات وصول، بل هي حوافز تدفعه للاستمرار وتؤكد أن العمل الهادئ الرصين يترك أثراً لا يمحى.
رؤية مستقبلية
اليوم، يقف أكرم محمد السراي عند مرحلة تأسيسية مهمة، يجمع فيها بين حصيلة دراسته الأكاديمية وشغفه الخاص، متطلعاً نحو حضور أوسع في المشهد التشكيلي العراقي والعربي.
إنه فنان شاب لا يتعامل مع الفن كزينة عابرة، بل كمشروع حياة، ومساحة للتعبير عن هوية وذاكرة وانتماء، تمضي بخطوات ثابتة نحو نضج فني واعد.

اترك ردا

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961