حاورها في بغداد / عبد الجبار العتابي
الفنّانةُ الممثّلةُ الدكتورةُ ثورة يوسف، في زَمانٍ ما، في نَهاية الثمانينيّات وما بعْدها أحْدثتْ هزّةً في الوسط المسْرحيّ في بغداد تحديداً بسبب الأعْمال المسْرحيّة التي قدّمتها وفازتْ في بعضٍ منها بجوائز ، اسْمها (ثورة يوسف) من مواليد العام 1958، إمرأة عراقية من محافظة البصرة، من ذوات البشرة السمراء.

بدأتْ حياتها مع الفنّ الذي صارتْ لها فيه سيرةٌ فنيّةٌ مميزةٌ، وبالمسْرح تحديداً لأنّها لمْ تجدْ فرصتها في الأعمال التلفزيونية والسينمائية، كافحتْ متحديّةً كلّ الظروف وحصلتْ على شهادتي الماجستير والدكتوراه، ونالتْ من الشهرة ما لمْ تنلْه قريناتها المُجايلات لها، قبل أنْ تنتقلَ إلى العمل في منظماتِ المجْتمع المدنيّ لتخدم أبناء جلدتها وتقدّمَ لهم المساعدات المختلفة وترسمَ لهمْ رجاءاتٍ سعتْ لتحقيقها عبر التوعية والنشاط الإنسانيّ.
عدمْ وجود أدوارٍ لذوات البشرة السمراء
ولكنَّ القضيّةَ المثيرةَ القابلةَ للنقاش وغير القابلة للمنطق إنّ هذه الممثلة المسْرحية المميّزة لمْ تشتركْ في عملٍ دراميّ تلفزيونيّ واحدٍ طيلة حياتها، على الرغم من نجاحاتها المسرحية في بغداد وشهرتها آنذاك!!، شيءٌ مذهلٌ وغريبٌ ولكنّهُ لا يحتملُ التأويلَ أو المفارقةَ بلْ إنّ الأمْر في حقيقته منهجٌ ثابتٌ لمْ يتغيّرْ، لا لخاطرِ هذه الممثلة المبدعة، ولا درءاً للعنصرية!! في حديثي معها عن نجوميتها، كان سؤالي الأوّل لها:
- لماذا لمْ نشاهدْك في أعمال تلفزيونية؟ فلمْ تصمتْ قليلاً ولمْ تتأملْ المشهدَ بل قالتْ الجوابَ فوراً هكذا:
لعدمْ وجود أدوارٍ فيها لشخصيات نسائيّة من ذوات البشرة السمراء.. أبداً، لمْ يُكتبْ نصٌ يحملُ هذا الشيءَ، فكلّ المسلسلات العراقية التي قُدّمت خلال تلك المرحلة ليستْ فيها مثل هذه الشخصيات!
وبقيتِ في المسْرح فقطْ؟
أنا قضيتُ حياتي كلّها في المسرح وأعملُ في بغداد في كليّة الفنون الجميلة وكذلك في البصْرة، لمْ يأتني أيُّ عرضٍ للمشاركة بأيّة أعمال دراميّة تلفزيونيةٍ، أيْ منذُ أنْ تخرجتُ في العام 1985 وأكملتُ الماجستير ومن ثمّ الدكتوراه في العام 2004 لمْ يأتني أيّ عرضٍ للعمل في مسلسل دراميّ، بلْ لمْ يسألني أحدٌ إذا ما كانتْ لديَّ رغبة في العمل بالتلفزيون، والسببُ إنّ المؤلفَ العراقيّ يكتبُ عن الظاهر، أيْ عن الشكل البارز في المجتمع، لذلك أنا أؤكدُ لك إنّ طولَ عمر الدراما العراقية ليستْ فيها دورٌ لشخصيّة من ذوات البشرة السمراء، لا أعرفُ بماذا أردُّ، ولكنّ الغريبَ إنّ أيّ مؤلفٍ عراقيّ لمْ يجازفْ في الكتابة لشخصية سمراء!
- ين الخللُ؟ فيكمْ أمْ في المؤسسة؟
الخللُ في الإثنين، المؤسسةُ الثقافيةُ اقتصرتْ على هذه الوجوه سواءً من الشباب أو الكبار ووجوه ممثلين جيدين، ولكنّ، أيضاً، مسؤوليها ما أتعبوا أنفسهم في الإنتباه لذوات السمرة السوداء من الممثلات، مثلاً: المؤلفون كتبوا نصوصاً متنوعة الشخصيات ولكنْ لو كتبوا نصوصاً لشخصيات بهذا الإتجاه (لسمْر البشرة) وسألني أحدٌ ما هلْ تمثلين؟ فلنْ أقولَ لهُ: لا، فعندما أقولُ لا، يكونُ الخللُ عندي وبما إنّ أحداً لمْ يستدْعني ويطلبْني ولمْ يسألْني فالخللُ ليسَ بيْ بلْ بهمْ.
هلْ تشعرين بالغبن؟
هو غبنٌ نعمْ، ولكنَّ الدراما العراقيّة لا يعوّلُ عليها في هكذا أمور، فلمْ تكتبْ أيّ نصوص إطلاقاً، المؤلفُ العراقيّ يكتبُ عن الظاهر، أيْ عن الشكل البارز في المجتمع.
- ولكنْ حتى في السياسة لمْ يدخلْ ذوو البشرة السوداء لماذا؟
أولاً الذي يجبْ أن تعرفه إنّ المواطنين من ذوي البشرة السوداء لا يهتمون بأمور السياسة، بمعنى إنّ الله خلقهمْ ليكونوا مرحين ويحبون الحياة والفن ولكنْ هذا خطأ، خطأٌ أنْ لا يفكرون في السياسة، ثمّ يجبْ أنْ تعرفَ إنّ مواطنينا فيهم نسبة كبيرة من الأميّة، فأنتَ تحتاجُ الى أنْ تثقفَ القاعدة الموجودة وتعرفهم، أمّا الأمية فسببُها إنّ هناك ما زالتْ في العقلية عند الكبار يعوُن على علاقة السيّد بالعبْد!، وما زال الخوفُ مترسخٌ في داخلهم، فقبل مئاتِ السنين كان هناك الإقطاعي عندما تُلْزمُهُ الدولةُ العثمانيةُ وقد صار التجنيدُ الالزاميُّ أنْ يكونَ لديه كمٌ من العبيد، فعندما تأتيه الجنْدرمةُ (قوة عسكرية نظامية مكلفة للقيام بمهام متعددة) ما كان يرسلُ إبنهُ بلْ يرسلُ عبداً من عبيده وهذا منْ حقّه لأنهُ يملكهُ، فهذه العلاقةُ بين السيّد والعبد تؤكدُ إنهُ يجبْ أنْ لا يتعلم لكيْ لا يصلَ كتفُه الى كتْف سيّده أو إبن سيده، فبقيتْ هذه متوارثةً من الخوف.
- لنتحدث عن أجيال الألفية الثالثة.. كيف ترينهم؟
هناك متعلمون ولكنْ ليس بكثرة، يعني حملةُ الشهادات العليا لسْنا بكثرة ونُعدُّ على الأصابع، من الممكن أنْ أحسبهمْ لك: د. عبد الكريم عبود، ثورة يوسف، عبد الزهرة سامي فرج، هشام الشلال وإثنان في الادارة والاقتصاد وعندنا دكتورة أُخرى حدثت لها حادثة.
- لماذا هذه العقدةُ؟
هذه العقدةُ تتورّثُ، وقلةُ الوعيّ يتورثُ أيضاً، بينما أنا في عائلتي هناك خالتي اللهُ يرحمُها قالتْ: نحنُ لا نريدُ أنْ نبقى متخلفين بالتعليم، لا نريدُ أنْ نبقى ينظرون ألينا بعينٍ إننا أقلُّ، فلابدَّ أنْ نتعلّمَ لذلك هي جاهدتْ الى أنْ نوصل، صحيح إنّ هناك قسماً ما أكملوا الدراسة الإبتدائية أو الدراسة المتوسطة وهناك من أكمل الدراسة الإعدادية، يعني أخذوا نصيباً من التعليم ولكنْ هناك منْ ما زالوا لا يقرأون ولا يكتبون، فماذا يمكنُ أنْ يقالَ بهذه القضية؟
إذنْ هذه هي المشكلةُ، الآن نحنُ نعملُ في رابطة (لوتس) الثقافية النسْوية على بثّ الوعيّ من خلال توضيح ما حقوقه مثل حقّ التعليم وأحياناً يجيءُ منْ يقولُ لنا (أنا ما عندي جنسيّة والله، الحكومةُ ما أعطتني) لا.. نحنُ لا نرمي هذه التبعة على الحكومة فهذا (عيب)، فأنا عندي جوازٌ وجنسيّة وعندي بطاقة وطنية فالحكومةُ ليستْ مقصّرةً ولكنْ لدينا نوعٌ من التنمّر في المجتمع على أبناء البشرة السمراء،
ونحنُ أشتغلنا مسرحيات أطفال في مدارس إبتدائية عرضناها هناك لأنّ الاطفال كانوا يعانون من التنمّر فيتركون المدرسة، هذه المسرحيات خصصناها عن التنمر على الاطفال، وفعلاً لمسنا تجاوباً عالياً من الأطفال الآخرين يرفضون فيه هذا التنمّر ضدّ زملائهم، يمكنُ أنْ اقولَ إنّ هذا العزوف أو المستوى الذي وصلنا إليه نحنُ جزءٌ منه، وهذه علاقةُ السيّد بالعبد، هناك فئاتٌ لمْ تخرجْ من هذا الصندوق،
أنا طلعتُ من الصندوق من زمان عندما ذهبتُ الى كلية الفنون الجميلة في بغداد، وعندما ذهبتُ الى فرقة البصرة للفنون الشعبية، معناها وجدتُ نفسي، لدينا بناتٌ مثل صفا شوكت ممثلة، وهبة الله ممثلة وهي التي جاءت معنا كممثلة جسد في مهرجان المسرح العراقي الاول ضدّ الإرهاب، وهي ممثلة جيدة وخريجة معهدٍ، وأكملت كلية الفنون الجميلة.
- أليستْ لديكم من منظماتٍ؟
هناك منظمةٌ واحدة في البصرة مجازة رسمياً من رئاسة الوزراء التي هي (أنصار الحرية).
- ما الذي تحاولون تغييره في المجتمع العراقي؟
مثلاً: المثلُ القائلُ (مثل خلالات العبد) نحنُ نريدُ أنْ نحاربه، ذات مرة ذهبنا الى النجف وكانتْ عندنا ورشةٌ وسألنا عن مطعمٍ جيدٍ هناك فقالوا إنهُ مطعمُ فلافل إسمُه (مطعم العبد) نحنُ نريدُ لهذه الأشياء أنْ تُلغى، مثلاً العبوديةُ لمْ تبدأْ مع السُّود بلْ مع البيض في روما، حيث الرومان وألعابهم وإستعبادهمْ للبشر، بمرور الوقت عندما تمّ تحرير العبيد وإلغاء العبودية أنتفتْ هذه الصفةُ عن البيض وبقيتْ لاصقةً بالسود.
- ما الذي أثاركم في مطعم إسمه (العبد)؟
التسميّةُ، أنت تشيرُ الى شخصٍ برمزٍ مذلٍّ، لو مثلاً كان إسمه مطعم الأسود فهذا لونٌ، لا يفرق، ولكنْ الصفة مذلة، العبد، وحتى خلالات العبد وإن كان مثلاً فحين نرجعُ الى التاريخ سنعرفُ من أين جاء؟ وكيف؟
- لماذا لا يتحررون ويكسرون هذه الحواجز؟
ليستْ المسألةُ حواجزَ ويكسرونها بلْ أنا أقولُ لك السبب، فلماذا أنا متحررةٌ منها لأنني تعلمتُ ودرستُ وقرأتُ وأخذتُ شهادة وعملتُ مع الكلّ فتحررتُ، نحنُ نحتاجُ الى محْو أميّة إجتماعي وليس تعليمي كالقراءة والكتابة بلْ إجتماعيّ.
- هلْ فكّرتِ يوماً بالذهاب مرشحة الى مجلس النوّاب (البرلمان)؟
لا.. (ولم تعلق أكثر من هذه اللا)!
- ما أبرز أعمالك الفنية؟
أبرزُها كانتْ في مرحلة الكليّة وأجملُها كانتْ، أنا تخرجتُ من بغداد بالبكلوريوس 1985 والماجستير 1996 والدكتوراه، الماجستير عن تقنية الممثل، اللياقة البدنية، والدكتوراه كانتْ حول طقوسنا (التوظيف الجمالي للطقوس الشعبية البصْرية في العرض المسرحي) 2004،
وأهمّ الأعمال كانتْ في الكلية، مسرحيةُ (الخليقةُ البابليّة) لصلاح القصب، (طائر البحر) لصلاح القصب، (المعطف) لغوغول للمرحوم شفيق المهدي، (إحتفالٌ تهريجيٌّ للسود) في العام 1983 وهي بإسم السود لجان جينيه (1910-1986) للمخرج المعلّم سامي عبد الحميد اللهُ يرحمُه، وهذه المسرحيةُ على مراحل ولأنني ممثلة في مرحلة الثالث فقد كان تقسيم الممثلين وإدارة المسرح حسب الأعمال.
مثلاً أشتغلتُ الفصلَ الأولَ مع الدكتور صلاح القصب فكان لي أنْ أعمل الفصل الثاني مع الأستاذ سامي وهكذا، فكان العملُ هو السود لجينيه حيث كلّ شخصيات المسرحية من السود فصبغوا وجوه الكلّ باللون الأسود الا أنا، ودكتور ميمون الخالدي كان أحد الممثلين، ونلتُ عن هذا الدور جائزة أفضل ممثلة واعدة، وخارج الكلية مع الدكتور عقيل مهدي عن حياة الفنان الراحل حقي الشبلي إسمه (أيامُ زمان) في منتدى المسرح كما كانت مسرحية (بالسرعة الممكنة) إخراج طارق العذاري وكتابة يعرب طلال،.
ونلتُ عليها جائزة أفضل ممثلة مناصفةً مع نغم فؤاد، وعملتُ دوراً رجالياً في مسرحية (في إنتظار غودو) إخراج خالد السلطان، وأجملُ شيءٍ فيه إنني قلتُ للمخرج: لماذا لا آخذُ أنا الدورَ الرجاليّ فقال: أيْ والله فكرة جيدةٌ، وجسّدتُ فيها شخصية رجلٍ عاديّ وكان العملُ جميلاً جداً وعرضناه عام 2001 ضمن مهرجان الوفاء المسرحي بالبصرة،
وبعدها أشتغلنا مسرحية (مانيكان) مونودراما تأليف بنيان صالح واخراج خالد السلطان، وعرضناها في بغداد والقاهرة، كما جسّدتُ الشخصية الرئيسة في مسرحية (الجعبان) تأليف عبد الكريم العامري وإخراج الدكتور حازم عبد المجيد وجسّد شخصياتها مجيد عبد الواحد ويوسف صلاح ومحمد قاسم إضافة الى عدد من المجاميع، وتدورُ فكرة العمل عن الحرب المفروضة على العراق من خلال عائلة بصْرية تفقدُ أحد أبنائها، وحصدتْ الجائزة الكبرى كأفضل عمل مسرحيّ متكامل في مهرجان المسرح العراقي الأول ضد الإرهاب الذي أقيم في بغداد عام 2015.
- ما أبرز ثلاث محطات في حياتك؟
أهم محطة كانتْ مع الفنون الشعبية، كنتُ راقصة حينها في الثمانينيات كلها، وهي المحطةُ التي أهلتني الى أنْ أتعلقَ بالمسرح كممثلة، والمحطةُ الثانية عام 1989 عندما تركتُ الفرقة وانتقلتُ الى الجامعة، المركز الثقافي، هنا فكرتُ أنْ أكونَ ممثلة، والمحطةُ الثالثة وهذه مهمّة جداً إنني بدأتُ أشتغلُ في المجتمع المدنيّ، والمجتمعُ المدنيّ يُعرّفك على مشاكل الناس بشكلٍ مباشرٍ لذلك عندما أشتغلتُ في المجتمع المدني وأشتغلتُ مسرحاُ عندي هموم الناس فأتناولها في المسرحية، وما زلتُ أعملُ في المجتمع المدنيّ، كما أعملُ حالياً على التراث الإفروعراقي، مع جامعات ومراكز بحث عالمية، لأنّ غايتي هي الإرتقاءُ بالفنون الشعبية الى التمثيل والتدريس.
- سؤال أخير: ما الذي لديكمْ في البصرة مميزٌ في الفنون؟
لدينا في البصرة إيقاعاتٌ صوفيّةٌ تعدُّ منبعاً أولاً لهذا الميدان، ولدينا الهدوء الذي يغلبُ على رقصات البصرة، لأنها مدينة سكونية هادئة، تطلّ وادعةً على البحر، لذلك حركاتُنا رخيةٌ مرهفةٌ، وشخصياتنا بأريحية شط العرب، رقصاتنا طقسية معبرة، فـ (الهيوه) تقليدٌ بصْريٌّ أصيلٌ وليس أفريقيّا، كما يدعون، نقل الأغنية الثمانينية في العراق، من الحزن الى الفرح، وجدّد في إيقاعاتها العراقية، تعتمدُ الرقصاتُ والألحانُ البصْرية على الطقوس لأنها أساساً نابعة من سياقات تحوّلتْ الى تقاليد ثابتة، أما الأدوات المستخدمة فهي (الدنبك)، وهي آلةٌ إيقاعيّةٌ بصْرية خاضصةٌ، ويرتبطُ بها (الزنبور)، وهو ليس بَصْرياً.






