وطن برس أونلاين

جريدة عراقية عربية مستقلة تصدر في استراليا

أهم الأخبار العراق

ثورة 14 تموز ، لن تُشطب من ذاكرة العراق!

فلاح المشعل*
غداً تحل ذكرى ثورة 14 تموز 1958، لتعود معها أسطوانة المقارنات والاتهامات المتبادلة بين أنصار العهد الملكي ومحبيه من جهة، وأنصار الجمهورية وعبد الكريم قاسم من جهة أخرى.
*ذاكرة ماضوية !
منظوران متقاطعان فكرياً وسياسياً، وما زال الصراع بينهما قائماً منذ ثمانية وستين عاماً، وخلال هذه العقود مرّ العراق بأطوار سياسية ومنعطفات حادة وحروب ومآسٍ وأنظمة متعاقبة، لكن حالة الخصام والتراشق المتبادل لم تنتهِ، بما يؤكد أن الذاكرة السياسية ما تزال تطغى على تحولات الزمن ومتغيراته، مهما بلغت درجة تنوعها أو سوء مآلاتها.
نحن في العراق، بخلاف كثير من شعوب العالم، تهفو ذاكرتنا دائماً إلى الماضي، هرباً من حاضر مأزوم ومحطم، وفاقد للأمل بالمستقبل، بل ابتعاداً عن مستقبل لا نكاد نمتلك دوراً حقيقياً في صناعته.
ومن أبرز مفارقات النظام السياسي الراهن سعي طبقته الحاكمة إلى تهميش أهم حدث سياسي شهده العراق في القرن العشرين، وأعني به ثورة 14 تموز 1958.
*لماذا ألغى النظام الحالي ثورة تموز؟
إن استذكار ثورة 14 تموز يستدعي بالضرورة استذكار سيرة رجالاتها وسلوكهم ونزاهتهم، كما يستدعي استذكار رجال العهد الملكي أيضاً. فعندما دخلت الجماهير الغاضبة إلى قصر الملك فيصل الثاني بعد سقوط النظام الملكي، وجدت لوحات فنية وتحفاً وجهاز بيانو يعكس ذوقاً رفيعاً، ولم تجد قصوراً من الذهب أو ثروات خيالية.
وبالمثل، فإن عبد الكريم قاسم، بعد مقتله على يد البعثيين، لم يُعثر له على ثروات أو عقارات أو أرصدة ضخمة، رغم أنه كان رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع في آن واحد.
كان الملك فيصل الثاني، في نظر كثيرين، رجلاً وطنياً نزيهاً عفيف اليد، كما عُرف عدد من رجالات الدولة الملكية بالنزاهة والانضباط الوظيفي. وكذلك كان عبد الكريم قاسم زاهداً بسيطاً، عُرف بالنزاهة والإخلاص للوطن إلى حدّ المبالغة أحياناً.
لقد عبرت النزاهة والحرص على المال العام فوق جسر الدولة العراقية في العهد الملكي، ثم في عهد الجمهورية الأولى.
*نقاء الماضي يفضح فساد الحاضر !
أما الكارثة الحقيقية، فهي ما حدث ويحدث في النظام الذي تأسس بعد عام 2003.
فقد بلغ الفساد مستوى غير مسبوق، حتى تحول إلى ظاهرة بنيوية تضرب مؤسسات الدولة كافة. وأنتجت المحاصصة الحزبية والطائفية طبقة سياسية تتقاسم الوزارات والهيئات والموارد العامة، وفي مقدمتها الثروة النفطية، بوصفها غنائم سياسية لا مؤسسات وطنية.
مديرون عامون، ووكلاء وزارات، ووزراء، ونواب، وقادة أحزاب وتيارات سياسية؛ تتوالى بحق كثير منهم اتهامات الفساد وهدر المال العام، في وقت يعاني فيه ملايين العراقيين الفقر والبطالة وتردي الخدمات، فيما تتراجع قدرات الدولة الاقتصادية والإدارية بصورة خطيرة.
أموال طائلة، وعقارات، ومزارع، وسيارات فارهة، وثروات مخبأة بطرق شتى، تكشف حجم الهوة الأخلاقية والسياسية التي تفصل حاضر العراق عن كثير من محطات تاريخه.
ولهذا فإن استذكار ثورة 14 تموز، كما استذكار العهد الملكي، لا ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد الخصومات القديمة، بل فرصة للتأمل في قيم النزاهة وخدمة الدولة التي جسدها رجال من النظامين، مهما اختلفت الآراء بشأن تجاربهما السياسية.
إن المشهد العراقي الراهن يدفع كثيرين إلى إعادة النظر في تجارب الماضي، لا بدافع الحنين وحده، بل بحثاً عن نموذج للدولة النزيهة والقادرة على حماية المال العام وصون حقوق المواطنين.
المجد والخلود لشهداء العراق في العهدين الملكي والجمهوري، والعراق اليوم أحوج ما يكون إلى دولة عدالة ونزاهة وقانون، تنهي حقبة الفساد وتعيد للوطن هيبته وكرامة أبنائه.
كاتب وصحفي من العراق 

اترك ردا

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961