المهندس علي جبار مختص بأدارة الازمات

الفلسفة السيادية في قيادة التغيير ومحك تجربة حكومة “الزيدي” 2026 في العراق لا يمكن النظر إلى عملية استبدال القيادات العليا في المؤسسات الحكومية خلال المراحل الانتقالية بوصفها إجراءً روتينياً أو تبديلاً ميكانيكياً للمناصب؛ إنها في الجوهر أداة استدراكية استراتيجية حاسمة، غايتها الكبرى حماية منظومة الدولة من الانحدار الوظيفي، وتلافي الخسائر المتراكمة في الأداء والإنتاجية. وهنا، يتمايز هذا التغيير بنيوياً بين مسارين لا يلتقيان.
الأول، وهو مسار “الهندسة السيادية الابتكارية”، ويتجسد بوضوح في الفلسفة التي تبنتها الحكومة العراقية الجديدة عام 2026 برئاسة السيد علي الزيدي، حيث تحولت الإدارة العامة نحو نموذج قائم على النتائج والمؤشرات الحسمية. في هذا الفضاء، لا يتوقف التغيير عند عتبة استبدال الوجوه، بل يمتد لينسف العقلية البيروقراطية التقليدية. وتتقاطع هذه الرؤية مع أدبيات “معهد الفكر الحكومي” (Institute for Government)، التي تؤكد أن النجاح المؤسسي في البيئات الانتقالية مشروط بقراءة متميزة لأخطاء الماضي، يعقبها وضع معايير صارمة تعتمد الكفاءة الاستراتيجية ومرونة إدارة الأزمات كشرط أول للإصلاح، وهو تماماً ما يشكل جوهر الحراك الحالي في العراق للتخلص من تراكمات العقود السابقة.
أما المسار الثاني، فهو السقوط في فخ “الاستدانة من الذاكرة المتهالكة” أو ما يُعرف في أدبيات الإدارة العامة بـ “تدوير النخب المجرَّبة” (Recycling of Elite). إن الاستعانة بشخصيات كانت جزءاً من بيئة الأداء السلبي السابق، أو ساهمت في ترسيخ رتابة العمل المعطل، يمثل الخطر الأكبر على استقرار الدولة. هذا النمط يعكس عجزاً بنيوياً عن الابتكار واستقطاب دماء جديدة، ويؤدي حتماً إلى استنساخ الفشل وبذات الأدوات العقيمة. وكما تقضي القواعد الدولية المستقرة: فإن إدارة أزمات المستقبل بعقليات تسببت في أزمات الماضي، هي الوصفة المثالية لإنتاج كوارث مضاعفة ومطبات بنيوية. ثنائية الحسم: هندسة الجدارة في مواجهة عقم التدوير يتضح الفارق الجوهري بين فلسفتي الإدارة عبر ثلاثة مؤشرات استراتيجية حاسمة: • عقيدة الاختيار والتعيين: حيث يرتكز الإصلاح على مصفوفة الجدارة واستقطاب دماء تكنوقراطية مستقلة، في مقابل الغرق في تدوير قائم على المحاصصة والروابط الضيقة التي تعيد إنتاج الفشل. • ديناميكية مواجهة التحديات: وتتمثل في صناعة الحلول الاستباقية وتفكيك المعضلات البنيوية قبل ولادتها، بدلاً من إدمان “إدارة الأزمات” بذات النمطية الرتيبة التي تؤجل المشاكل ولا تحلها. • الاستدامة وتوريث المعرفة: من خلال السعي الجاد نحو تمكين وبناء صف ثانٍ وثالث من القيادات الشابة الواعدة، بدلاً من سياسة احتكار القرار وحصار الكفاءات التي تحكم على المؤسسة بالشيخوخة الوظيفية. الوعي الدولي ومحك التجربة العراقية 2026 تُظهر دراسات تقارير “مؤسسة بروكينغز” (Brookings Institution) أن العبور الآمن للدول من المراحل الانتقالية مشروط بمدى جرأتها على قطع الصلة بالأنماط الإدارية القديمة. ويبرز هنا نموذجا سنغافورة ورواندا اللذان اعتمدا على تفكيك المنظومات الإدارية المتهالكة بالكامل، واستقطاب كفاءات من خارج الذاكرة التقليدية للدولة، مع تطبيق رقابة صارمة على الأداء والتخلي الفوري عن فلسفة التدوير. وفي المقابل، تظهر تجارب الإخفاق في بعض دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية خلال تسعينيات القرن الماضي، أن إعادة إنتاج نفس النخب الإدارية السابقة تحت مسميات جديدة قاد الحكومات إلى مطبات كارثية وعمّق أزماتها الاقتصادية، لأن تلك القيادات لم تكن تملك سوى أدوات “التعايش مع الأزمة” لا “تفكيكها”. على هذا الصعيد، يمثل النهج الحالي للحكومة العراقية محاولة جادة لتمثيل هذه النماذج الناجحة؛ حيث تواجه حكومة السيد علي الزيدي تحدي تطهير الهياكل الإدارية العليا من رواسب الإدارة السياسية التقليدية، والتحول نحو عقيدة مهنية عابرة للمحاصصة. إن محك النجاح الحقيقي هنا يكمن في مدى صمود الحكومة بوجه ضغوط القوى التقليدية التي تحاول فرض الأسماء المجرَّبة، والتمسك بدلاً من ذلك بنظام التقييم الرقمي الفعلي وعزل أدوات الفشل السابق. التوصية المهنية إن التغيير الحكومي الحقيقي هو حزمة استراتيجية متكاملة لا تقبل التجزئة؛ تبدأ بالأشخاص، تمر بالنهج، وتنتهي بفلسفة الإدارة. إن “تدوير الأسماء من الذاكرة” ليس سوى مسكن مؤقت يفقد أي حكومة جديدة رأسمالها الثقافي والسياسي أمام الجمهور، ويجعلها في مواجهة أزمات كارثية بدلاً من صناعة الاستقرار. بناءً عليه، فإن الضرورة المهنية لحكومة 2026 في العراق تتطلب الاستمرار في مغادرة الذاكرة الإدارية القديمة بلا تردد، وتأسيس مدرسة إدارية تعتمد “الكفاءة السيادية الحقيقية” معياراً وحيداً للبقاء والتعيين، لضمان الانتقال الكامل والآمن من مرحلة “إدارة الأزمات المتراكمة” إلى مرحلة “بناء الدولة المستقرة”.





