رافع بندر خضير
القراءةُ ليست شكلاً فكريا مُترفاً , بل هي ميدان صراع بين الجهل والمعرفة، بين الحرية والخنوع، بين التحرر والعبودية. القراءة ليست تكديسًا للمعلومات أو التفاصيل التي سرعان ما تُنسى، بل هي لحظة فاصلة تُنمي الروح وتُثري تفاصيل الحياة بشكل متطور. وواجبها الأهم تنمية الرؤى واتساع التصور لعالمٍ أجمل وخيالٍ أنضج. البيئة التي تُهمل القراءة تفقد الاتجاهات المعرفية، وبذلك تفقد بوصلتها الفكرية. الإنسان بطبيعته تتزاحم في ذاكرته المعلومات، لكنه سرعان ما يفقدها لعدم امتلاكه القدرة على تحليلها والغوص في أبعادها، فتصبح هذه المعلومات ضحية التأثير العاطفي والإعلامي الذي يستبيح عقول البسطاء، ليقع في الهوة المظلمة التي تنشر الفوضى وتعيق التطور. وهكذا يغدو كل مشروع إنساني متحضر ضعيفًا رخوًا بلا أساس صلب، وبالتالي يصبح المجتمع عبارة عن جماعات تقودها الخرافة السطحية، لتتسع خطوات الانتهازيين في بث شعور زائف بالتقدم، وهو في الأصل بلا مضمون واضح وبلا معنى حقيقي المجتمع الذي يتحاشى فوهة النقد ينزوي خلف قضبان هويته التقليدية، ويدير ظهره لقفزات العلم وسباق العصر، فيغلق على نفسه جميع الأبواب مكتفيًا ببابٍ واحد، هو باب الانتماء الديني والطائفي والعشائري. الإنسان القارئ هو الوحيد الذي يمتلك القدرة على مزج الإرث الثقافي بالواقع المتحضر، بما يواكب متطلبات العصر، ويفتح أقبية الحوار بين الأجيال ليُشكل وعيًا جمعيًا ناضجاً يستوعبه القاصي والداني وبهذا يعيد ترتيب نظام التعليم من رياض الأطفال إلى الجامعات، ليصنع ثورة فكرية تهدم الموروث الشفاهي المؤدلج باليقينيات الجاهزة، من خلال فتح باب الحوار النقدي وقبول الآخر، وبذلك يُسحق خطاب الكراهية الذي فتّت المجتمع، لتعلو كفة الانتماء للوطن عاليًا فوق جميع الانقسامات التافهة.





