(( الكتابة على الحيطان! ))

* عبدالسادة البصري
ذات يومٍ عندما كنت في الابتدائية كتبت بيتاً شعرياً احفظه على حائط بيت خالي . وما ان عرف خالي بالأمر حتى قامت الدنيا ولم تقعد ، أخذ يوبّخني ويتوعّدني بالويل والثبور إن لم أقم بمسحه وغسل الحائط قائلاً :
ــ من المعيب وغير اللائق أن تكتب على الحيطان ، لأنها تعكس جهلك بالجمال والحضارة !
منذ ذلك اليوم وأنا لم أكتب حرفاً على حائطٍ أبدا .
تذكرت الان قول خالي العامل البسيط وأنا أشاهد ما يغطي حيطان أبنية المدارس والدوائر الحكومية والمحلات والبيوت وغيرها، من عبارات وشعارات ورسوم وكلام غير لائق يغيّر منظرها . إذ أن ما يُكتب عليها يخدش في بعض الأحيان حتى الذوق العام ، ناهيك عن ما نقرأه من عبارات على السيارات وعربات الحمل وكأنها أصبحت لوحات إعلاناتٍ ونشراتٍ جدارية لكل ما يريد صاحبها !! فالأمثال وأبيات الشعر الشعبي والكلمات غير اللائقة والنابيّة و ما يثير الضحك والاشمئزاز في وقت واحد ، عبارات تخلو من الذوق والمعرفة ومليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية إضافة الى ما تشكل من منظر بشع للحيطان وتعطي انطباعا سيّئا عن كاتبها !
لهذا علينا أن نراعي الذوق العام أولا ، وان نعرف إن الحيطان جزءٌ من مرآة ثقافتنا ، و إن ما يُكتب عليها يؤثر بشكل سلبي ويعطي انطباعا مغايرا عن أبناء هذه المدينة أو تلك . وعلينا أن نعي دائما أنه إذا أراد احدنا أن يُعلن عن بضاعته أو شركته أو أي شيء آخر، فما عليه سوى أن يكتب لافتةً وبخطٍ جميلٍ يسرّ الناظرين ويعلّقها في مكان مناسب ، لأنه من غير المعقول الإعلان عن مدارس أهلية على حائط مدرسة حكومية ، أو الكشف عن موهبتنا في الشعر والخطّ بعبارات وأشعارٍ نابيّة تخدش الحياء من خلال كتابتها على الحيطان ؟!! بالإضافة الى تشويه مناظرها نعمد إلى توسيخها بالأصباغ والسخام والطباشير وجعلها تعكس صورة بعيدة عن الجمال والذوق !
علينا أن نطرّز الحيطان بالمناظر الجميلة واللوحات الفنية المعبّرة ونهيئ أماكن خاصة هنا وهناك للإعلانات فقط . كما علينا أن نحاسب أنفسنا ونكفّ عن هذه الظاهرة غير الحضارية بالإعلان عن مواهبنا في الكتابة وشتم الآخرين ولنجعل من حيطان مدننا لوحات زاهية من الإبداع والجمال والبهاء تشرح صدر كل ناظر اليها وتجعله يمتدحنا في السرّ والعلن ، لا أن نعطيه فرصة لذمّنا والسخرية والاستهزاء بكل ما نكتب ؟! ولنعرف أن في كل دول العالم قوانين تمنع أعمالا كهذه وتعتبرها جزءاً من التخريب والتشويه يجب منعها ومعاقبة الفاعلين . نعم ، علينا ان نحافظ على جمالية مدننا وحيطانها ، كذلك عرباتنا وسياراتنا ، ولنكن شعبا يرتقي بذوقه وفنه وحضارته بعيدا عن مثل هذه الأفعال ، ونلتفت الى محاربة الفاسدين والمتآمرين وسارقي قوتنا لنكشف زيفهم ونجعل من وطننا حرا مهابا وشعبنا يرفل بالسعادة والهناء والجمال دائما .
  • وطن برس

    Related Posts

    هوي آن… مدينة الفوانيس وسحر التاريخ

    كتب : خليل الحلي * في قلب الساحل الأوسط من فيتنام، تتلألأ مدينة هوي آن كجوهرة تاريخية آسرة، تجمع بين عبق الماضي وروح الحاضر. هذه المدينة التي أدرجتها اليونسكو ضمن…

    من شباب الجالية قصص نجاح نحو مستقبل زاهر ( علي الكناني )

    كانبيرا / أشواق شلال الجابر  نائب رئيس التحرير  هذه الزاوية التي تستحدثها جريدة ” وطن برس “هي مساحة لتسليط الضوء على مجموعة من الشباب من أبناء الجالية العربية في كانبيرا…

    اترك تعليقاً

    لا يفوتك

    هوي آن… مدينة الفوانيس وسحر التاريخ

    هوي آن… مدينة الفوانيس وسحر التاريخ

    من شباب الجالية قصص نجاح نحو مستقبل زاهر ( علي الكناني )

    من شباب الجالية قصص نجاح نحو مستقبل زاهر ( علي الكناني )

    القنصلية العامة لجمهورية العراق في سدني تستأنف اعمالها لأستقبال المراجعين بمقرها الجديد

    القنصلية العامة لجمهورية العراق في سدني تستأنف اعمالها لأستقبال المراجعين بمقرها الجديد

    زعيمة حزب أمة واحدة بولين هانسون تخسر محاولتها لاستنأف قرار الحكم الصادر بحق السناتور مهرين فاروقي

    زعيمة حزب أمة واحدة بولين هانسون تخسر محاولتها لاستنأف قرار الحكم الصادر بحق  السناتور مهرين فاروقي

    المخرجة زهراء غندور تفوز بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي

    المخرجة زهراء غندور تفوز بجائزة لجنة التحكيم بمهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي

    ” وطن برس ” تحضر احتفالية توقيع كتاب “استراليات” للكاتب الفلسطيني هاني الترك

    ” وطن برس ” تحضر احتفالية توقيع كتاب “استراليات” للكاتب الفلسطيني هاني الترك

    Primary Color

    Secondary Color

    Layout Mode

    Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961