Sliderادب وتراث

هذا التراب المقدس!!

طالب عبد العزيز / البصرة *

الى الذين يستكثرون على البصريين حقهم في مدينتهم دونما مضايقة من أحد .
مختارات من خطبة شيخ الهنود الحمر العم سياتل :هذا التراب المقدس!!
تلك السماء هناك،.. هي ذاتُ السماء التي طالما ذرفتْ دموعَ الرحمة على أبناء شعبي لقرون ليس لها حدود، والتي كانت تبدو لنا أزلية وعصية على التغيير، ربما تتغير… هي اليوم صافية، لكنها ربما تحتشد غداً بالغيوم، لكن كلماتي كالنجوم لا تتغير أبداً. – يقول السيد الأبيض أن الزعيم الكبير في واشنطن يهدي إلينا تحايا الصداقة والنوايا الطيبة، ذلك لطف منه كبير؛ لأننا نعلم أنه ليست به ثمة حاجة إلى صداقتنا في المقابل، فأبناء شعبه كثيرون. وهم مثل العشب الذي يكتنف البراري الفسيحة. أما أبناء شعبي فقليلون مثل شجرات متناثرة في سهل كنسته العاصفة. وقد بعث الزعيم الأبيض العظيم، والذي أخاله طيباً أيضا،ً إلى شعبي رغبته في شراء أرضنا مقابل أن يوفر لنا عيشاً مريحاً.
– مر زمن كان فيه أبناء شعبي يغطون الأرض كلها، مثلما يغطي الماء الذي نفشته الريح قاع البحر المعبد بالمحار. لكن ذلك الزمن مضى وانقضى، مثلما عظمة تلك القبائل، التي لم تعد الآن سوى ذكرى مخنوقة بالنشيج، إنني لن أطيل الوقوف ولا النحيب على أفولنا الأخير في نهاية المطاف، ولن ألوم إخوتنا ذوي الوجوه الشاحبة على التسريع في ذلك الأفول، لأننا نحن أيضاً مستحقون اللوم…

– لنا… رفاتُ أسلافنا مقدسات، والثرى الذي يضمهم جليل، أما أنتم فتجولون بعيداً عن قبور أسلافكم، وليس لديكم ما تندمون عليه . ودينكم كتبته أصابع ربكم الحديدية، على ألواح حجرية، بحيث لا تملكون له نسياناً، بينما لا يملك الرجل الأحمر له فهماً ولا حفظاً. أما ديننا فهو إرث أسلافنا. إنه أحلام الرجال التي أوحى بها إليهم الروح العظيم في ساعات الليل البهيم.. وهو رؤى شيوخنا المنقوشة في قلوب شعبنا.
-أمواتكم يعزفون عن حبكم، وعن حب الأرض التي كانت لهم مهاداً، حالما يعبرون بوابات قبورهم، ويذهبون فيما وراء النجوم. إنهم سرعان ما يصبحون عرضة للنسيان ولا يعودون. أما أمواتنا فلا ينسون أبد الدهر العالمَ الحلو الذي وهبهم الحياة…
-الليل والنهار أيضاً لا يتساكنان. الرجل الأحمر يهرب من وجه الرجل الأبيض، كما يفر سديم الصباح المتقلب على السفوح من أمام شمس الصباح.. لكن ما تعرضونه يبدو عادلاً في آخر المطاف، وأظن أن أبناء شعبي سيقبلونه، وسينسحبون إلى المحميات التي قدمتموها لهم. وإذن، فسنسكن بسلام كلا على حدة، لأن كلمات الزعيم الأبيض العظيم تبدو وكأنها صوت الطبيعة.
– تكلم شعبي من جوف العتمة الكثيفة، التي تتجمع سراعاً حولهم، تماماً مثل الضباب السميك الذي يهوِّم خارجاً من حلكة البحر. لم يعد مهماً لنا أين نصرف أيامنا الباقيات، فهي لن تكون كثيرة. فالليل الهندي يعدنا بأن يكون شديد السواد، بلا نجمة أمل تطوف له على أفق، ثمة ريح حزينة الصوت تُعْول في المدى. وثمة قدرٌ متجهم يضرب وراء الرجل الأحمر على الأعقاب. وأينما حل الرجل الأحمر، فإنه سيسمع صوت الخطوات الواثقة المقتربة، وسيتأهب للقاء قدره المحتوم، مثلما تفعل الظبية الجريحة وهي تصغي إلى خطو الصياد المقترب.
-هي بضعة أقمار أخرى، بضع شتاءات أخرى وحسب، ولن يتبقى من نسل أصحاب الدار العظيمين، الذين كان يحميهم الروح العظيم، والذين كانوا يطوفون يوماً على هذه الأرض الفسيحة، أو يقيمون في البيوتات السعيدة. لن يتبقى منهم من باكٍ على قبور شعب، كان ذات يوم أشد منكم بأساً وأكبر أملاً. لكن، لماذا أندبُ قدر شعبي في آخر المطاف؟ ثمة قبيلة تتبع قبيلة، وأمة تتلو أمة.. والقبائل جمع أفراد وليست بأفضل حالاً منهم.. والأفراد يأتون ويمضون، تماماً مثل أمواج البحر.. ثمة دمعة أخيرة، وترنيمة موت، ثم يختفون من أمام أعيننا التواقة إلى الأبد. ذلكم هو ترتيب الطبيعة حيث لا ينفع أسى،
– وعندما يطوي العدمُ الرجلَ الأحمر الأخير، وتصبح ذاكرة قبيلتي محض أسطورة، تدور بين الرجال البيض، فإن هذه السواحل سوف تغصُّ بالموتى من أبناء عشيرتي، الذين لا يحيط بهم بصرٌ وعندما يظن أبناءُ أبنائكم بأنهم وحدهم في الحقول، في المخازن والدكاكين، على الطرقات العريضة أو حين يلفهم سكون الغابات التي بلا دروب، فإنهم لن يكونوا أبداً وحدهم، ولن يجدوا في الأرض الفسيحة كلِّها معتزلاً. وفي الليل، حينما يلف الصمت مدنكم، وقراكم، حتى تخالونها خلواً من الحياة، فإنها ستكون محتشدةً بأصحاب الدار العائدين، الذين ملؤوا هذه الأرض الجميلة، ذات مرة، والتي لا يكفون عن حبها.
بعث الرئيس من واشنطن رسالة يعلمنا فيها عن رغبته في شراء أرضنا.
ولكن كيف يمكنك شراء أو بيع السماء؟ أو الأرض؟ هذه الفكرة غريبة علينا.
– كل جزء من هذه الأرض هو مقدس عند شعبي. كل إبرة صنوبر، وكل شاطئ، وكل نقطة ندى في الغابات المظلمة، وكل ينبوع ماء. كلهم مقدسون في ذاكرة وخبرة شعبي. نحن جزء من هذه الأرض، وهي جزء منا. الأزهار العطرة هي أخوتنا. الدببة والغزلان والنسور هم إخواننا. كل خيال في مياه البحيرات الصافية تخبر ذكريات في تاريخ شعبي. رقرقة المياه هي صوت أجدادي. الأنهار هي أخوتنا، يحملون زوارقنا، ويطعمون أولادنا.
– إذا بعناكم أرضنا تذكروا أن الهواء غالٍ علينا. أن الهواء يبعث روحه في كل حي يتنفس. الريح التي أعطت أجدادنا نَفَسَهم الأول في الحياة، أيضا تستلم تنهدهم الأخير.: ليست الأرضُ مرجعَ الإنسان، وإنما الإنسانُ مرجعهُ الأرض. كل شيء في الدنيا مترابط ترابط الدم الذي يوحدنا. لم يصنع الإنسانُ الحياة، ولكن هو فقط خيط في نسيجها. كل ما يفعله لهذا العيش من نفع أو ضرر سيعود عليه.مستقبلكم غامض بالنسبة لنا.ماذا سيحصل عندما تبيدون كل أبقار البافالو؟ ماذا سيحصل عندما تطغى رائحة الإنسان على زوايا الغابات النائية؟ أو عندما تشوب الأسلاك الكهربائية مناظر الجبال؟ هذه هي نهاية العيش وبدء صراع البقاء.عندما يختفي آخر هندي أحمر مع غاباته، ولا يبقى من ذكرياته إلا خيال سحابة عابرة، فوق البراري، هل ستبقى هذه الشواطئ والغابات؟ هل سيبقى أي أثر لروح شعبي؟
نحب هذه الأرض كما يحب المولود الجديد دقات قلب أمه.

  • كاتب وشاعر من العراق 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق