الكابوي ترامب والحمل سليماني والبكاؤون على السيادة العراقية

  • وديع شامخ *

كم اردت ان اتجنب التعليق على زيارة ترامب الاخيرة للقاعدة الامريكية في العراق ، ولكني وجدت نفسي محاصراً بسيل من المهاترات والالتباسات المفهومية والواقعية من قبل بعض الاصدقاء الذين ، وللاسف ، امتهنوا لعبة سياسية ممجوجة قوامها التشكيك في وطنية الآخرين عبر مفاهيم السيادة وغيرها .
ساوجز تعليقي بنقاط متعددة لمن يهمه الأمر فقط :
1- لا سيادة للعراق منذ زمن صدام حسين وخصوصا بعد غزو الكويت وقبوله المهين لشروط خيمة صفوان المُذلة ، بدءً من ترسيم جديد للحدود للعراقية مع الكويت واعطائها ما لا تحلم به ابدا ، ومرورا بصولات وجولات لجان التفتيش عن الاسلحة الكيمياوية والتي طالت حتى ” خزانات ملابس الرئيس القائد في القصور الجمهورية .
2- وقبلها كان صدام قد تبرع بنصف شط العرب ومن نقطة خط التالوك الى ايران ، بعد ملايين الشهداء في حرب الثمان سنوات، كما تبرع للسعودية بمنطقة الحياد والاردن منطقة الكيلو 160 ، وكان الشمال العراقي ، اقليميا كردستانيا مستقلاً بسيادة كاملة عن المركز بغداد ، ولا يستطيع الطيران العراقي من اختراق مناطق على حدود خطوط الطول والعرض مرسومة بدقة .
3- وللجيل الجديد نذكر ان صدام حسين عميل امريكي بدرجة الشرف ولدينا كافة المستمسكات الثبوتية بهذا ، كما ان البعث العراقي جاء بقطار أمريكي على حد تعبير امين سر قطره علي صالح السعدي .
4- عندما انتهت صلاحية صدام كعميل ادى دوره ببراعة تامة في القضاء على مقدرات الشعب العراقي البشرية والمادية عبر حربين ضروسين وحصارات مهلكة كان لابد من سيناريو امريكي للتخلص منه ، ونتيجة لغياب الخيارات الوطنية وبعد فشل تجربة انتفاضة العراق 1991 في بروز منهج ومشروع عراقي موحد ضد صدام حسين ، كان على امريكا ان تبقي صدام في غرفة الانعاش ريثما ينضج سيناريو يلبي المصلحة الامريكية اولا والعراقية تاليا ، فكان للادارة الامريكية قرارها على طريقة ” الكابوي ” باسقاط صدام وتحطيم الدولة العراقية ” انسجاما مع مشروع الشرق الاوسط الجديد على الطريقة الامريكية.
5- كان لابد من استثمار المعارضة العراقية وصناعة معارضة وفق الطراز الامريكي ، فكانت مؤتمرات، حاج عمران ولندن وغيرها من المسكوت عنها قد حددت نهاية صدام بطريقة العمل العسكري الامريكي منفردا وقائدا معاً ، واظن ان العراقيين كانوا مع فكرة الخلاص من الطاغية والترحيب بالنموذج الديمقراطي الغربي . فكان السقوط المدوي لصدام ونظامه عام 2003 والكل يعرف ان لامريكا وحدها القوة والقرار ، واظن اكثر المتحدثين عن الكرامة كان مع الحل الامريكي بدرجات متفاوتة .
6- بعد 2003 صار العراق محمية امريكية منذ الجنرال غارنر وبعده بريمر الى مجلس الحكم الى اول وزارة عراقية، فاين انتم من السيادة العراقية امام جبروت امريكا .
7- امريكا خرجت من العراق ولكن بوجود قواعد عسكرية تمثل حماية لمصالحها تحت مختلف المسميات ، والمعروف دوليا ان القواعد العسكرية لها حصانة تتجاوز سيادة الدول ، وهذا ما كان حاصلا مع كوبا ايام ثوريتها ووهجها الكاستروي ، وكانت لامريكا قاعدة في خليج ام الخنازير كما اتذكر .
8- زيارة ترامب تمثل واقعة طبيعية جدا من خلال قراءة سياسية للمشهد العراقي وليس من العنتريات والبكائيات ، سيما وان ترامب يمثل العقلية الامريكية في حاضرها القوي ، المستهتر ، المنتهك .
9- ما اشيع عن رفض ساسة العراق الالتقاء به في القاعدة الامريكية يحمل وجها للطاعة العراقية بشكلها الايجابي للسيد الامريكي دون تفريط في خطوطه الحمراء .
10- العراق ايها السادة غير مستثنى من الواقع العالمي والاقليمي باصطفافاته الجديدة ، فهو مخترق من قبل ايران وبشكل فاضح، ومن السعودية ومن تركيا ومن الكويت ايضا .
11- السيادة مفردة عاطفية لا علاقة لها بواقع سياسي قار تحكمه مصالح قائمة وليس صداقات دائمة على حد تعبير القائد الانكليزي تشرشل ، فاستراليا مثلا مازالت تحت وصاية التاج البريطاني مع انها قارة مستقلة عمليا، فالملكة والامراء الانكليز يزورون استراليا متى ما شاؤوا ولهم في الدخل المادي حصة معلومة .
12- اخيرا كفى العراق وحسبه هذا البلاء والجرب الوطني المستشري في جسد الوطن ، دعونا نتعامل مع الوقائع بشكلها الواقعي دون الانصياع لخطابها ، نكون ناقدين ، وليس ناقمين ،نعرف العراق وطننا وخيمتنا وسر بقائنا ، وما عداه فهو زائل وطارىء وآني من الكابوي الامريكي الى حثالاته من السادة والساسة في العراق .، زيارة ترامب للقاعدة العسكرية حق اغتصبه القوي الفاعل المتوفر على مشروع استراتيجي ازاء الخنوع الوطني الرسمي والشعبي معاً. ثم اين حميتكم العروبية الجوفاء أمام ايران وسليماني وتجربة جيش القدس ، امام تركيا وهي تمارس العهر العثماني في السماء والارض وحتى الماء ، كفاكم نفخا وعنجهية فارغة ، وليكن العراق هو مشروعنا الوطني ، نفكر بهدوء في كيفية الحصول على الممكن الأفضل لوطننا وشعبنا المتهالك الولاءات ، السائر في دروب الغيب اللانهائية . ثم ان ترامب قد وضع جميع الساسة العراقيين بحجمهم الطبيعي ، وهو الماهر جدا في فضح العنجهيات ، ولعل صولاته في السعودية وجباية الاموال تمثل نموذجا للسلوك الترامبوي لاقرار تبعية الحكام لامريكا القوية .

  • رئيس تحرير مجلة النجوم الاسترالية 

اضف رد