د. طه جزاع

العثور على كنزٍ في سلة المُهملات !

د. طه جزاع

بعد انتظارٍ زاد عن السنة ، أخيراً ها هو بين يدي كتاب ” كنوز صحفية .. أسرار مدرسة أخبار اليوم ” الذي كان مؤلفه الأخ الاستاذ علاء عبد الهادي قد حمله معه من القاهرة إلى بابل خلال حضوره فعاليات مهرجان بابل الدولي الأخير . ثم وصلتني الأمانة من يد زميلٍ إلى آخر ، من القاهرة إلى بابل ثم بغداد ، فشكراً للجميع على حرصهم واهتمامهم وأمانتهم .
ولهذا الكتاب الذي صدر عن قطاع الثقافة بمؤسسة أخبار اليوم المصرية قصة طريفة لا يصنعها إلا من أحب الصحافة وعشقها وعاش فيها ولها ، فقد كان الزميل عبد الهادي وهو في بدايات عمله أواخر الثمانينيات في جريدة الأخبار يسير في أحد الشوارع الجانبية المؤدية إلى مبنى أخبار اليوم التقليدي القديم في شارع الصحافة بمنطقة بولاق في القاهرة ، ولأنه شخصياً كان مولعاً وعاشقاً لكل ما هو قديم من أغنية وصورة وقصاصات صحف قديمة ، فقد تعلقت عيناه بسلة مهملات ضخمة منتفخة فاضت بما فيها ، كما يصفها ، وتساقطت الأوراق على جنباتها واختلطت بمقلب زبالة ” وعلى طريقة ما يحدث في الكاميرات الرقمية الحديثة تعلقت عيناي أكثر بكومة من الصور ” . كانت تلك الصور للرئيس الراحل أنور السادات خلال عدد من زيارته الميدانية لبعض مواقع الدولة ، وما لبث الزميل علاء عبد الهادي أن عثر على أوراق صفر مكتوبة بالآلة الكاتبة ” وبدأتُ أقرأ وأقلب .. يا للهول .. قلتها مع نفسي على طريقة يوسف وهبي .. إنها محاضر اجتماعات الجمعة ” ! .

غلاف الكتاب

لقد عثر عبد الهادي وهو يعبث بالأوراق على كنز صحفي يحوي محاضر أشهر الاجتماعات في تاريخ الصحافة المصرية ، ذلك هو الاجتماع الذي كان يترأسه عملاق الصحافة المصرية مصطفى أمين في الدور التاسع بمبنى أخبار اليوم صباح كل يوم جمعة ، وهو ” الاجتماع الذي كان بمثابة الجامعة التي تَخَرج فيها كل نجوم الصحافة المصرية على مدار 50 عاما ً ” .
يضم الكتاب ثلاثة عشر وثيقة تمثل محاضر الاجتماعات التي عقدت خلال الثلاثة أشهر الأخيرة من عام 1958 والتي عثر عليها المؤلف بالمصادفة في سلة المهملات ، مع مقدمة كتبها للمقارنة بين شكل الخبر الصحفي قبل وبعد أخبار اليوم ، ونسخة حديثة لاجتماع الجمعة الذي كان يعقد أحياناً يوم الجمعة ، وفي أحيان أخرى يوم الثلاثاء في السنوات العشر الأخيرة من عمر مصطفى أمين حيث ” كان البعد الانساني قاسماً مشتركاً في كل مشروعاته الصحفية ” . وكتب الاستاذ علاء عبدالوهاب مدير عام أخبار اليوم تقديماً قصيراً للكتاب، أشاد فيه بهذا العمل الذي يكشف عن اسرار صناعة النجوم في هذه المؤسسة الصحفية .
وفي محاضر الاجتماعات تلك يتعرف القارئ العام والصحفي الشاب والمحترف على أهم المبادئ والأفكار التي كانت تمثل رؤية مصطفى أمين ومدرسة أخبار اليوم للعمل الصحفي وبالذات للخبر الصحفي ، فهو يشجع المندوبين والمحررين على عقد صداقات وصلات مع مصادر الخبر ” أنا إذا أردتُ مقابلة وزير الأشغال أعمل صداقة مع حلاقه ” ! كما أن الصحفي الحقيقي هو الذي يبحث عن الاخبار التي تقع ضمن اختصاص عمله والتي ليس من اختصاصه ” إذا سمع مندوبنا في السكة الحديد خبراً عن شيخ الأزهر فهذا خبر ويذهب لسؤال شيخ الجامع الأزهر ” ! . ويشجع أمين الصحفي على تناول القصة الانسانية في الخبر وهو يعد هذه القصة أحسن من خبرين سياسيين ” إن وراء كل حجر قصة إنسانية ” ويضرب مثالاً في خبر افتتاح فندق هيلتون ، عندما يوضح إن أحمد عرابي هو أول شخصية أقامت في هيلتون لأنه كان معتقلاً في المكان نفسه الذي أقيم عليه الفندق ، مثلما كان معتقلاً في هذا المكان سعد زغلول والنقراشي ! وفي محاضر لاحقة ينبه إلى أهمية الحملات الصحفية والأخبار المهمة ” ويكفيني أن المحرر يحضر خبراً عظيماً في الأسبوع ، ولا يحضر أخباراً بعد ذلك ” منبهاً إلى أهمية الدقة والمصداقية والكتمان في الأخبار، وأهمية العمل كفريق ” ومن لا يستطيع أن يعمل كفريق لا يصلح للعمل في أخبار اليوم ” . كما يؤكد على أن مفاتيح النجاح في يد الصحفي الناشئ هي ” الإخلاص والحب والتفاني في العمل ” مع إيمانه الشديد على تمكن المرأة الصحفية في عملها وانها ستلعب دوراً مهماً في الصحافة ” فالعدسات في رأسها تلتقط تفاصيل أكثر وإن كانت أقل من عدسات الرجل ” !. ويحث أمين الصحفيين على القراءة والاطلاع ” لأن الصحفيين الذين مهمتهم الكتابة ولا يقرأون حتى المجلات لا يعتبرون صحفيين “! . وفي موضوع السبق الصحفي فإنه يعد السبق الصحفي بمثابة النصر في المعركة ، و ” إن الصحفي الممتاز يخترق الحديد بأي ثمن ” مشبهاً عملية التنقيب عن الأخبار بعملية التنقيب عن البترول الخام الذي يحتاج إلى عمليات تكرير وتصفية ” ولا قيمة للخبر الخام قبل أن يُصفى ويُنقى ويُكرر ” ! . ويشير إلى أهمية استخدام الصحفي لحواسه الخمس مع تأكيده على حاسة الشم في الأنوف الصحفية ، وأن الذين يولدون بلا حاسة الشم لا تنفعهم تجربة أو مران ولا يستطيعون أن يكونوا صحفيين ، موضحاً أن حاسة أخرى هي الحاسة السادسة يمكن ان تولد بالمران غير أنها ستكون بلا فائدة ” إلا إذا استعملت معها الحواس الأخرى ” وفي كل محاولة صحفية على الصحفي أن يدرس الشخص الذي يقابله دراسة كاملة ، وان يعتمد على ذاكرته ” الفوتوغرافية ” التي تعني أن الصحفي عندما يرى ورقة يتخيلها ويتخيل سطورها مما يسهل حفظها ” وهذه الطريقة مهمة جداً . وأسوأ شيء بالنسبة للصحفي أن يمسك ورقة وقلما ً ” !
في محاضر أخرى هناك توجيهات مهمة للصحفيين ، تتضمن أهمية الاهتمام بالقراء ، والاهتمام بمكالماتهم الهاتفية التي تسهم في تحرير الصحف والحصول على أخبار وقصص صحفية ممتازة ، اما حديثه عن الرقابة فهو من أمتع الأحاديث التي تضمنتها محاضر اجتماعات الجمعة ، وفيه معلومات تاريخية وأمثلة ومواقف في غاية الطرافة عن الرقابة في العهد العثماني .
كتاب ” كنوز صحفية ” للزميل الكاتب والصحفي علاء عبد الهادي الذي حضر بعض اجتماعات مصطفى أمين في النسخة الحديثة خلال سنواته الأخيرة ، كتاب ممتع لكل قارئ ، وضروري ليطلع عليه كل من يعمل في الصحافة والاعلام ، ولاسيما من الصحفيين الناشئين في مصر والبلدان العربية ، وإن حدثت تغيرات وتطورات هائلة في وسائط التواصل ونقل الأخبار والقصص الصحفية في زماننا هذا الذي يختلف كثيراً عن زمان مصطفى أمين ، غير أن المبادئ والقيم الصحفية تبقى ثابتة لا تتغير . ومما تعلمه المؤلف من استاذه أن الأخلاق في مقدمتها ” فصحفي بدون أخلاق – حتى لو كان يمتلك مهارة الكتابة – يُعدُ كارثة ” ! .
وأنا أطوي صفحات الكتاب في أربع ساعات متواصلة من القراءة المشوقة ، خطرت لي خاطرة حول ما يسميه زملاء المهنة بالمدارس الصحفية العراقية البارزة أمثال مدرسة الجمهورية ومدرسة ألف باء ووكالة الأنباء العراقية وغيرها ، تُرى ألا توجد إجتماعات لمجالس اداراتها ولاسيما في الحقب التي تولى رؤوساء تحريرها صحفيون كبار مشهود لهم بالكفاءة والمهنية ، وماذا كان يدور في تلك الاجتماعات بخصوص العمل الصحفي في مؤسساتهم ؟ إن تكن تلك المحاضر قد اختفت أو احترقت فيما احترق أو ألقيت في المزابل وسلال المهملات ، فإن بعضها لاشك موجود في خزانات أو ذكريات الصحفيين المخضرمين الذين عملوا فيها ، أو ربما قد عثر عليها أحدهم في سلة المهملات ونقلها لخزانة المدفونات إلى الأبد !

( في نهاية هذا المقال سؤال موجه إلى الزملاء الأعزاء من خريجي مدرستي جريدة الجمهورية العراقية ومجلة ألف باء ووكالة ” واع ” لاسيما المخضرمين والبارزين منهم داخل الوطن وخارجه .. أتمنى أن أسمع منهم إجابة عنه ونحن على أعتاب الذكرى السنوية لتأسيس الصحافة العراقية ) ، المقال نشرته مشكورة شبكة الاعلام في الدنمارك
taha.jazza@yahoo.com


اضف رد