ثلاث روايات لما يجري في ايران… والنظام “العميق” ينتظر لحظة الانقضاض

بادية فحص

بادية فحص*

من المبكر الحكم على الاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت المدن الإيرانية منذ أربعة أيام. ثمة التباس شديد حول طبيعة اندلاعها وشكل مآلاتها، فالصورة رغم ضخامتها مازالت غير واضحة. الشيء الواضح فيها، أنها تجاوزت في يومها الرابع،الذي سجل إحراق مؤسسات حكومية ومصارف ومكاتب للحرس الثوري، خطوط الاستفزاز المسموح بها، وباتت تنذر بحصول الكثير من العنف والعنف المضاد.

النظام تعمد منذ البداية عدم الكشف عن الوجه الذي سيقابل به المعترضين، وبدا أنه يمارس دور المتفرج حيناً والمتوعد أحيانا. فمن مصلحته انفلات الأمور وتراكم أعمال الشغب ليبرر فيما بعد طرق قمعه لها، له في ذلك صولات وجولات. وسائل القمع التي يستخدمها حاليا، مازالت مقبولة، أما وسائله الاعلامية فتتعامل مع ما يجري بكثير من الاستخفاف، وتشدد – إن علقت – على بعده الاقتصادي فقط. ولولا البيان المقتضب للحرس الثوري الذي أشار فيه إلى وجود أيد مخابراتية أميركية وإسرائيلية وبريطانية تحرك الشارع، لما اتضحت طبيعة استيعابه ما يجري. هذا لا يعني أنه سيبقى متساهلا، فحجب عدد من مواقع التواصل الاجتماعي التي تنقل الأحداث لحظة بلحظة (تليغرام وإنستاغرام) يكشف نوايا غير حميدة.

مما لا شك فيه أن الاحتجاجات اندلعت لأسباب اقتصادية، لكنها سرعان ما أخذت طابعا سياسيا، وهذا ليس أمرا مستغربا، كون الاقتصاد في أي دولة مرآة للنظام السياسي فيها. ولا يختلف اثنان على الأقل في إيران، أن السياسة فيها تهيمن على المال، وأن الاستبداد الديني الذي سيطر على الحكم منذ حوالي أربعين سنة يرافقه استبداد اقتصادي، حيث تتحكم بضع عمامات إلى جانبها مؤسسة أمنية شرهة (الحرس الثوري) بثروات البلاد وتصادر الحصة الأكبر من عائدات النفط والغاز وتهمين على المشاريع الاقتصادية مهما كان حجمها، لذلك لا من الطبيعي أن يهتف المتظاهرون بموت المسؤولين إلى جانب هتافاتهم المطلبية.

رغم هذه الحقيقة، يصر النظام (العميق) على براءته من الأزمة الاقتصادية، محيلا أسبابها على فشل سياسات روحاني الانمائية. في حين يشيع فريق روحاني أن الحكومة مشلولة لا تملك رفاهية اتخاذ أي قرار تنموي، وفي الوقت نفسه ترغم على صرف ميزانيات ومخصصات لجهات اعتبارية وأمنية سنويا من خزينة الدولة.

بأي حال، يدرك كل من النظام والحكومة صعوبة الوضع الذي وصلا إليه. اتساع رقعة الاحتجاجات وانفلاشها على طول البلاد وعرضها يصعّب إمكانيات االسيطرة عليها، أمنيا ولوجستيا، كما حصل مع “الثورة الخضراء” صبف 2009. فليس من السهل على أي دولة نشر قواتها الأمنية في 70 مدينة مزدحمة سكانيا، ومختلفة قوميا ومذهبيا، في الوقت نفسه. إضافة إلى تحد آخر مهم، هو عدم وجود رأس لهذه الموجة الاعتراضية، أو جسم تنظيمي موحد أو خطاب واحد.

يبقى أن هناك روايات مختلفة لأسباب هذا الانفجار الشعبي المفاجئ والعشوائي، الذي يعد الأخطر منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، يمكن البناء عليها لمحاولة تفسير ما يجري.

الرواية الأولى ترتبط بإخفاق حكومة روحاني في تحقيق وعودها الإنمائية، التي تعهدت بها فور رفع العقوبات الدولية. فرغم مرور أكثر من سنتين على توقيع الاتفاق النووي، الذي تم بموجبه رفع العقوبات الدولية عن إيران وفتح أبوابها المغلقة على الأسواق العالمية وبالعكس، لم يطرأ على الوضع المعيشي للشعب الإيراني أي تغيير، بل على العكس ارتفع مؤشر التضخم، وتراجعت قيمة العملة المحلية أمام الدولار (4000 تومان للدولار الواحد)، وازدادت البطالة، وأصبح 60% من الإيرانيين يعيشون تحت مستوى خط الفقر، 20% منهم في المدن و40% في الأرياف. المأخذ الكبير الذي يسجل على حكومة روحاني في هذه المعمعة الاقتصادية ويكاد يكون السبب الأول للإنفجار هو أنه رغم تردي الأوضاع المعيشية أقرت حكومة روحاني في ميزانية العام 2018 مخصصات خيالية للمؤسسة الدينية، في حين رفعت الدعم عن المحروقات وعدد من المواد الغذائية الأساسية، هذا إضافة إلى ميزانية سنوية تتعدى 8 مليار دولار لمؤسسة الحرس الثوري وحدها.

الرواية الثانية أسبابها إنتقامية. كان الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، بعدما تمت محاكمته وفريقه السياسي بتهم سرقة المال العام، قد وعد بالنيل ممن نصبوا له هذا الفخ، وذلك بالاعتماد على تحريك قاعدة شعبية، استطاع شراء عواطفها خلال فترتيه الرئاسيتين عبر منحها مساعدات مالية من خزينة الدولة تصل إلى 40 دولار شهريا، ألغتها حكومة روحاني. واستخدام رصيد شعبي لا بأس به في المجتمعات الريفية المتدينة، التي ماتزال تؤمن ب”مهدويته”، يترافق ذلك مع شعور بالقوة مستمد من حضور محدود نسبيا، لا يملكه روحاني، داخل مؤسسة الحرس الثوري. هذه الحقائق شكلت مجتمعة دليل شبهة على ضلوع نجاد في حقن الشارع ضد خامنئي وروحاني.

الرواية الثالثة هي بمثابة تصفية حسابات بين التيارين الحاكمين، المحافظ والمعتدل، أو بالأحرى بين متشددين داخل التيار المحافظ ونهج الاعتدال الذي تقوده حكومة روحاني. فانطلاق شرارة الاحتجاجات من مدينة مشهد يشير بإصبع الاتهام فورا إلى آية الله أحمد علم الهدى إمام الجمعة في المدينة المقدسة، التي تحتضن ضريح الإمام علي الرضا ثامن أئمة الشيعة الإمامية. علم الهدى هو والد زوجة ابراهيم رئيسي الذي مني بخسارة فادحة في الانتخابات الرئاسية أمام روحاني، وهو معروف بمعارضته الشديدة للاتفاق النووي والانفتاح على الغرب الكافر. كانت الخطة تقتضي أن تجري مظاهرة محدودة تحت حماية قوات الشرطة، يطلق خلالها المعترضون هتافات تنال من روحاني، تعبيرا عن غضبهم بعد إفلاس مشروع اقتصادي رعته حكومته في المدينة وتسبب بضياع أموالهم، لكنها أفلتت من يد مهندسيها وانحرفت نحو السياسة والمطالبة بعودة الملكية.

قد يكون هناك روايات أخرى تبنى عليها الأحداث، لكن الرواية الأهم هي أن ما تشهده المدن الإيرانية حاليا، لا سابق له، منذ انتصار الثورة الإسلامية. فمهما تشعبت الروايات وتباينت الخلفيات المحرضة، يبدو أن الشارع الإيراني بكل أطيافه وتنوعاته المذهبية والعرقية وصل إلى أقصى درجات التحمل والصبر على الإفقاروالجوع والاستغلال والتهميش والفساد، وللمرة الأولى استطاع قلب الطاولة على رؤوس اللاعبين، وعوض أن يستخدموه كما اعتادوا للتصويب على بعضهم بعضا، نجح في انتهاز تناقضاتهم لينقض عليهم جميعا، بلا تفريق ما بين معتدل ومحافظ أو متشدد ومنفتح. لكن العبرة في النهاية، فهل سيتمكن الشعب الإيراني هذه المرة من التخلص من الظلم؟ أم أن الإحباط سيكون قدره كالعادة؟!

  • كاتبة من لبنان 

اضف رد