مقالات

التعليم ..إلى أين ؟!

  • عبد السادة البصري / البصرة
    وأنا أقرأ روايةً يوم أمس سمعتُ ابني الأصغر يقول لأمه :ــ ماما مدرستنا ما بيها مرافق صحية ، كلها مهدّمة ومجاريها مسدودة ، والشبابيك زجاجها مكسّر، والرحلات نص ونص ! رميتُ الكتابَ جانباً واتصلتُ بصديقٍ يترأسُ قسماً في مديرية التربية لأنقلَ إليه الخبر ، أجابني :ــ ليس مدرسة ابنك فقط ، أغلب مدارس البصرة مرافقها الصحية مهدّمة ومجاريها مسدودة وأخذ يصف لي حالة المدارس البائسة ! قلت له :ــ لماذا لا تعمل التربية على إصلاحها ؟! قال: التربية مفلسة ولا توجد ميزانية أو نثرية صرف أبداً ، على أولياء الأمور في المنطقة أن يتعاونوا مع إدارات المدارس لإصلاحها ومساعدة أبنائهم ! وقعَ كلامُهُ على نفسي كالصاعقة وضربتُ كفاً بكفٍ وقلت : يا للأسف ..ضاعَ مستقبلُ العراق! وتساءلتُ : إنْ لم يكنْ قد ضاعَ من زمان ؟! وعدتُ في ذاكرتي أواخر الستينات إلى مدرستنا في الفاو الجنوبي وكيف كانت عبارة عن بيتٍ مستأجر من قبل مديرية المعارف آنذاك ، لكنها تضمّ مرافق صحية نظيفة وماء إسالة عذب رغم إنَّ نصفَها مبنيٌّ من الطينِ والذي يضمُّ المرافقَ والحمّاماتِ والمختبر والحانوت وغرفةَ الحارس ، وكنّا ساعتها مجدّين ومجتهدين في جميع دروسنا ، والمعلمون مخلصون معنا في إعطاء المادّة المقررة والعمل على شرحها بالتفصيل والدقّة لنستوعبها جيداً ، وكيف آلت إليه أمورُ التعليمِ بعد ذلك ، حيث ابتدأ العدُّ التنازليُّ منذ اندلاعِ الحربِ العراقية الإيرانية ومروراً بالحصارِ وما عملَهُ في النفوس والضمائر وصولاً إلى ما بعد التغيير حيث الانحدار والفساد الذي خرّبَ كل شيء ! بالأمسِ ذهبتُ إلى السوق لأشتري بعض الكتب المنهجية لابني وما يحتاجه من الدفاتر والقرطاسية لعدم توزيعها كاملة عليهم ، لأن التربية لم توفرها بشكلٍ كافٍ للمدارس أمّا القرطاسية فلا توجد أصلاً وعلينا شراؤها من السوقِ مهما كلّف الأمر !
    وأنا أتجوّلُ بين المكتبات سَمِعتُ تذمّرَ الناسِ وخيبتَهم من كلّ ما حصلَ ويحصلُ في البلد :ــ كتبُ المدارسِ لا توجد في المدارس ونجدها في السوق ،، مَنْ يبيعها لأصحاب المكتبات؟!
    ــ القرطاسيةُ متوفرةٌ هنا ، والتربيةُ لا تملكُ أقلَّ من ربعِها ــ يا للأسف ؟!
    والطامّة الكبرى حين أعلنت مديرية التربية في المحافظة إفلاسَها ، وعدمَ استطاعتها توفير قنينة ماء واحدة لموظفيها ، كون الوزارة لم تخصص ميزانية لمديريات التربية هذا العام !
    ـــ هل يُعقلُ هذا ؟!
    ــ وكيف سنبني بلداً والتعليم ينهارُ يوماً بعد آخر ؟!
    ــ بل كيف سيكون مستقبل أبنائنا ونحن نعيش هذا الصراع المتنامي يوما بعد يوم ؟! صراعٌ على الكراسي .. صراعٌ على المصالح الذاتية والفئوية .. صراعٌ على كلِّ شيء .. والضحيّةُ الناسُ والوطن !
    يا لخيبتنا الكبيرة إذا كان التعليم يسير من سيءٍ إلى أسوأ .. ويا لبؤسنا إذا صرنا نشجّع المدارس الأهلية وأصحابها ليزدادوا ثراءً على حساب المدارس الحكومية ،، أين سيذهب ابن العامل والفلاح والكاسب والفقير ؟!
    إذا فشلَ التعليم فشلَ كلُّ شيءٍ وساءت أمور البلد حاضرا ومستقبلا .. فكيف بنا والتعليم بهذه الصورة المخيبة للآمال ؟!
    * عبد السادة البصري كاتب وشاعر من العراق 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق