ادب وتراث

القاص العراقي عبد الامير محسن وتجربة قصص بالغة القصر

البصرة / محمد بكر
الحديث عن تجربة القاص والشاعر العراقي عبد الامير محسن تستحق التامل ، والتوقف عن اهم المحطات التي مرت عليه طوال حياته ، فقد اختار القاص نوعا ادبياً غير مالوف في عالم القصة الاوهي ” قصص بالغة القصر ” او كما تسمى في لغة الادب ” قصص قصيرة جداً ” ، فلقد شاءت الاقدار ان اكون زميلاً وصديقاً للقاص في بعض سنوات الدراسة المتوسطة والاعدادية في ثمانينيات القرن الماضي وتشاء الصدفة ان نكون معا في وحدة عسكرية واحدة خلال الحرب العراقية الايرانية استطعت خلالها ان اتعرف على شخصية القاص عبد الاميرمحسن عن كثب واطلع على تجربته الفريدة في كتابة قصصه البالغة القصر حيث كان يطلعني على مسودات قصصه قبل نشرها في الصحف ، عاش محسن حياة اللامبالاة والتصلعك ولكنه كان ملتزما بالقواعد الانسانية للصداقة والزمالة والحياة ، في قصصه كان يقدم الواقع المؤلم للشباب وهو يساق الى الحرب والجبهات في حرب كانت بحاجة الى معجزة لايقافها ، ولد عبد الامير محسن في البصرة 1963 وهو عضو الاتحاد العام للادباء في العراق ، اصدر مجموعة قصصية (قطيع اسود من السنوات ) عن دار تموز للطباعة والنشر 2012 في دمشق ، ونشر العديد من القصص والقصائد في الصحف والمجلات العراقية والعربية ، له رواية تحت الطبع وديوان شعر تحت الطبع ومجموعتان قصصيتان ستصدران قريبا، يقول الباحث الدكتور حسين سرمك حسن في قراءة لمجموعة القاص عبد الامير محسن ” قطيع أسود من السنوات – قصص بالغة القصر ” وهو الإصدار الأول للكاتب الذي سبق أن نشر بعضاً من قصصه ضمن إصدارات (البصرة أواخر القرن العشرين) هذا المشروع الكبير والخطير الذي “اختفى” من دون مراجعة نقدية وبحثية واسعة تناسب أهميته الإبداعية والتاريخية ، حمل الغلاف الأخير شهادة للشاعر الكبير الراحل “حسين عبد اللطيف” بحق القاص قال فيها :
عوّلتُ كثيرا على موهبة عبد الأمير محسن في مشروعه عن القصة القصيرة جدا أو (القصة بالغة القصر) كما يسميها هو بمصطلحها هذا الذي اخترعه أو اقترحه لها . منذ ذلك الحين الذي استمعتُ إليه وهو يقرأ بعضا من هذه القصص في إحدى أصبوحات (ملتقى الجمعة الأدبي) في اتحاد أدباء البصرة إبان التسعينات والذي قال عنه الناقد شجاع العاني (إنها بالغة القصر تماما لكنها ستكون البداية الواعدة مستقبلا لهذا النمط) . .. أما محمد خضير فقد قال عنها (نقف باندهاش أمام جرأة الطرح في هذه القصص) .. لكن هذا المشروع انكفأ وتأخر وتأجل كثيرا لانشغالات العيش والانغمار به نظرا للظروف الفادحة التي وقع تحت وطأتها الجميع ومنهم القاص نفسه .
وقصص عبد الأمير محسن بالغة القصر تطمح أن تكون (قصيدة نثر) وهي تعكس مجريات واقع مؤس وفاجع وتقدم لنا حيثياته بحس شعبي ساخر يقوم على المفارقة الصادمة المبهرة بلغة بسيطة أدائية تتكفل بالتوصيل وتتوسل باللغة الدارجة أحيانا … دعابة سوداء ، ألعاب طفولية شعبية ، خيبات وخسائر متلاحقة ، وقائع لواقع ضنك ومرير ، تاريخ طويل أو (قطيع أسود من السنوات) ومن الفواجع والندوب والقهر التسلطي والتهميش والإنزواء) .
وأعتقد أن أي قاريء أو ناقد لهذه المجموعة لن يستطيع تجاوز ما حملته مقدّمتها التي عنونها الكاتب بـ : (مفتتح التجربة ودوافع الكتابة) من أفكار ورؤى الكاتب لجدوى الكتابة القصصية ومغازيها ودورها الوجودي . إنها مقدّمة جميلة ثرة ومحمّلة بأفكار شديدة العمق خصوصاً المشهد الذي يقرفص فيه الجندي عبد الأمير محسن وهو في طريقه للإلتحاق بوحدته ، في أحد الحقول ، تحت وابل المطر ، يجلده البرد ، فيبدأ بحرق الأجزاء الأربعة من ألف ليلة وليلة ، ليتدفأ بها وسط صرخات وزعقات شهريار المحتج :
(تدفأتُ بالجزء تلو الجزء . كانت الأصوات الخارجة من المصائر تصعقني – عويل الزنازين وصراخ الأمهات والأطفال يختلط بنغمات العود وبخور التكايا فيحولني إلى مريد يبحث عن كائنات عالم الذر ليستحضرها ويحررها إلى الأبد من نير الرق واصفاد العبودية ويسري بها إلى فيافي الحرية والعرفان .


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق