بغداد / كتب المهندس علي جبار
كشف تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025 عن جوانب مقلقة في إدارة ملف نقل النفط العراقي، مسلطاً الضوء على اختلالات في آليات النقل والعقود المرتبطة بها، ومدى انعكاسها على المصلحة الاقتصادية للدولة.
ويأتي ذلك في وقت كشفت فيه أزمة مضيق هرمز هشاشة أحد أهم مفاصل الاقتصاد العراقي: العراق يمتلك النفط، لكنه لا يمتلك الأدوات الاستراتيجية لنقله وحماية عوائده.
رغم مكانته كأحد كبار منتجي النفط عالمياً، لا يمتلك العراق أسطول ناقلات خام عملاقاً يؤمّن صادراته. فشركة ناقلات النفط العراقية، التي امتلكت تاريخياً 26 ناقلة قبل الحروب والعقوبات، لا تملك اليوم سوى 6 ناقلات منتجات نفطية بطاقة إجمالية تقارب 117 ألف طن ساكن، أي ما يعادل تقريباً 800–850 ألف برميل نفط فقط.
هذه الكمية أقل من حمولة ناقلة VLCC عملاقة واحدة، في حين تتجاوز صادرات العراق البحرية 3 ملايين برميل يومياً.
بمعنى آخر، العراق يحتاج إلى أكثر من 3 ناقلات عملاقة يومياً لنقل صادرات يوم واحد، لكنه لا يمتلك ناقلة خام استراتيجية واحدة.
الدول النفطية بنت ذراعها البحرية
أدركت الدول النفطية أن أمن الطاقة لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل النقل والسيطرة على سلسلة القيمة:
• السعودية عبر شركة Bahri تمتلك أحد أكبر أساطيل ناقلات النفط العملاقة، بطاقة تصل إلى نحو 2.2 مليون برميل للناقلة الواحدة.
• الإمارات استثمرت في ناقلات VLCC لتعزيز أمن صادراتها.
• إيران رغم العقوبات حافظت على أسطول ناقلات يدعم صادراتها النفطية.
أما العراق فما زال يعتمد على ناقلات أجنبية لنقل صادراته، مما يعني خروج جزء من قيمة النفط إلى شركات النقل والتأمين العالمية.
الكلفة الاقتصادية لغياب الأسطول
تصدير نحو 3 ملايين برميل يومياً يحتاج إلى عشرات الرحلات البحرية شهرياً. امتلاك أسطول وطني كان يمكن أن يقلل كلفة النقل ويخلق إيرادات إضافية.
التقدير خلال آخر سنتين:
2–4 مليارات دولار كفرصة اقتصادية مفقودة نتيجة الاعتماد على ناقلات أجنبية.
أزمة هرمز ضاعفت الخسائر
منذ آذار 2026، ارتفعت كلفة النقل والتأمين البحري بسبب المخاطر الأمنية.
إحدى الشحنات العراقية إلى الهند بحمولة 2 مليون برميل ارتفعت كلفة ناقلتها من نحو2 مليون دولار قبل الأزمة إلى 23–25 مليون دولار.
كما اضطرت سومو إلى تقديم خصومات كبيرة على خام البصرة لجذب المشترين.
إذا افترضنا خصماً قدره 25 دولاراً للبرميل على مليوني برميل يومياً:
• 50 مليون دولار يومياً
• 1.5 مليار دولار شهرياً
• نحو 9 مليارات دولار خلال ستة أشهر
أي أن إجمالي تأثير الأزمة من النقل والتأمين والخصومات قد يصل إلى 10–15 مليار دولار تقريباً.
تكلفة الحل أقل من تكلفة الأزمة
سعر الناقلات العملاقة تقريباً:
• Suezmax (مليون برميل) 80–90 مليون دولار.
• VLCC (مليونا برميل) 120–130 مليون دولار.
بناء أسطول من 10 ناقلات VLCC كان سيكلف نحو 1.2–1.5 مليار دولار فقط، وهو أقل بكثير من خسائر أزمة واحدة.
خلاصة القول ..
غياب أسطول وطني لناقلات النفط العملاقة، والاعتماد على شركات النقل الأجنبية، جعل العراق أكثر تعرضاً لتقلبات كلف الشحن والتأمين والأزمات الجيوسياسية، وحوّل جزءاً من قيمة ثروته النفطية إلى تكاليف تدفع خارج الاقتصاد الوطني.
السؤال الاستراتيجي الذي تطرحه الأزمة: لماذا بقي العراق، بعد عقود من تصدير النفط بمئات المليارات من الدولارات، دون ذراع بحرية وطنية تؤمّن صادراته وتعظم إيراداته؟






