رافع بندر خضير/ شاعر من العراق
أحيانًا، تبدو الذكريات أكثر نضجًا من الواقع، لا لأنها أجمل، بل لأنها مرّت من مصفاة الزمن، فغدت ماضيًا نتمنى لو يتكرر.
كان الناس يومًا يحبّون أوطانهم كما يحبّون بعضهم بعضًا، بلا حساباتٍ ولا مصالح. من شمال الوطن إلى جنوبه، تعرّفتُ إلى أصدقاء لم يجمعنا سوى ذلك الخيط الخفي: حبّ الوطن. فمات كثيرون دفاعًا عن هذا الحب، في ساحات الحرب أو خلف قضبان السجون. اشتركوا في المعنى، لكنهم اختلفوا في مقدار العاطفة التي حملوها له، وفي الطريقة التي أسيء بها فهم هذا الحب أحيانًا.
قالت امرأة حكيمة: «من لا يحب وطنه، يظل جبانًا».
وقال أحد الفلاسفة الألمان: «حبّ الوطن يحتاج إلى شجاعة؛ لأنه خروج عن الذات، واندفاع نحو الضمير».
ويقال إن معظم الذين بلغوا المائة عام كانوا من أولئك الذين أحبّوا أوطانهم من أعماق قلوبهم، وكأن الحب منحهم عمرًا طويلًا، لكنه أبقى أرواحهم شابّة.
ويروي أحد جرّاحي التجميل قصة امرأة خضعت لعملياتٍ متعدّدة، دون أن يستعيد وجهها نضارته. وحين عجز الطبيب . قال لها أخيرًا «يا سيدتي، لن يعيد إلى وجهك نضارتهُ إلا حبّك للوطن والناس».
الحبّ هو الجواب البسيط لكل معادلةٍ معقّدة:
لا ينجح أب مع أبنائه إلا به،
ولا يبرع طبيب مع مرضاه دونه،
ولا يستقيم حاكم مع شعبه إلا إذا حمله في قلبه،
ولا يكتمل زواج بلا حب.
وفي كتابه «أنا»، يحدّثنا العقاد عن حبّ الوطن بوصفه اندفاع روحٍ إلى روح؛ ليس هو الصداقة، وإن كانت الصداقة أحد عناصره، لكنه أوسع منها وأعمق. فالصداقة تخصّ فردًا بعينه، أما الحب فتيّار جارِف. وهو نقمة إذا سكن روحًا لا يتبدل ، لكنه نعمة نادرة حين تتجاوب فيه روحان، فيكونان معًا في لحظة صفاء من لحظات العمر.
وتذهب العالمة الأمريكية هيلن فيشر، في كتابها «لماذا نحب الوطن والناس»، إلى أن الحب ليس شعورًا مجردًا، بل حالة بيولوجية كاملة؛ إذ تطرأ عند المحبين تغيرات بيوكيميائية تعزّز جهاز المناعة، وتقلّل من الإصابة بالأمراض، حتى ليصبح الحب درعًا للجسد كما هو غذاء للروح. يفرز الدماغ عند اللقاء بالمحبوب مواد توقظ القلب، وترفع الإحساس، وتمنح الإنسان قدرة عجيبة على الاحتمال والتجاوز.
ويؤكد الدكتور محمد حسين، أستاذ جامعة عين شمس، في كتابه «الوادي المقدس»، أن الحب ضرورة وجودية للإنسان؛ قد لا نشعر بالحاجة إليه، لكن حياتنا تختل بدونه اختلالًا عميقًا. نحاول تعويض غيابه بالشهرة أو الثروة، فلا نبلغ السكينة. ويقسّم الحب إلى أربعة أبعاد: حبّ لله وهو الإيمان، وحبّ للناس وهو فعل الخير، وحبّ للأقربين وهو المودّة، وحبّ لأقرب الأقربين وهو العشق.
وفي «الفتوحات المكية»، يفتح ابن عربي قلبه على مصراعيه، فيعلن أن الحب ديانته الجامعة، وأن قلبه صار متسعًا لكل المعتقدات، لأن الحب عنده هو المعنى الأسمى الذي تتلاقى عنده الأرواح.
لقد كنتُ قبلَ اليومِ أُنكرُ صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي قابلاً كلَّ مِلّةٍ
فمرعى لغزلانٍ وديرٌ لرهبان
ومعبدُ أوثانٍ وكعبةُ طائفٍ
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن
أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توجّهت
ركائبُهُ، فالحبُّ ديني وإيماني
ويروي طبيب في مستشفى آدنبروك بكمبردج ذكرى من طفولته، حين أخذته أمه إلى قمة جبل، وطلبت منه أن يقول: «أنا أحبك»، فارتدّ إليه الصوت أنا احبك ، ثم قال: «أنا أكرهك»، فعاد إليه الصوت أنا أكرهك فقالت له: «ذلك هو الوطن والناس؛ إن أحببتهم أحبوك، وإن كرهتهم كرهوك. وحين يقول لك الناس انه صدى الصوت، فقل لهم: بل صدى الوطن والناس».
ويختم الإمام الشافعي الحكمة بقوله إن السلامة في الحياة ليست في القوة ولا في النجاة وحدها، بل في نقاء اللسان، وسلامة القلب، وحسن المعاشرة، ودفع الإساءة بالإحسان؛ فالحب، في جوهره، خُلُقٌ قبل أن يكون شعوراً ….
إِذا رُمتَ أَن تَحيا سَليماً مِنَ الرَدى
وَدينُكَ مَوفورٌ وَعِرضُكَ صَيِّنُ
فَلا يَنطِقَن مِنكَ اللِسانُ بِسَوأَةٍ
فَكُلُّكَ سَوءاتٌ وَلِلناسِ أَلسُنُ
وَعَيناكَ إِن أَبدَت إِلَيكَ مَعائِباً
فَدَعها وَقُل يا عَينُ لِلناسِ أَعيُنُ
وَعاشِر بِمَعروفٍ وَسامِح مَنِ اِعتَدى
وَدافِع وَلَكِن بِالَّتي هِيَ أَحسَنُ




