وطن برس أونلاين

جريدة عربية مستقلة

أهم الأخبار الشرق الأوسط

بين الصفقة المستحيلة والانفجار المؤجل: ماذا بعد سقوط مفاوضات إيران وأمريكا؟

بقلم : سفانة الديب
إعلامية وكاتبة  سورية
لم يكن فشل جولة المفاوضات في إسلام آباد مفاجئًا بقدر ما كان كاشفًا.
فما جرى لم يكن مجرد تعثر دبلوماسي عابر بين الولايات المتحدة وإيران، بل لحظة فاصلة أظهرت حدود التفاهم الممكن، وكشفت أن الفجوة بين الطرفين أعمق من أن تُردم بعرض تفاوضي أو جولة إضافية.
ورغم استمرار الخطاب السياسي في الحديث عن “فرص قائمة”، فإن الوقائع تشير إلى أن مسار التفاوض دخل مرحلة أكثر هشاشة، حيث تتقدم حسابات القوة على منطق التسوية، وتتحول الطاولة من مساحة للحلول إلى أداة لإدارة الصراع.
في هذا السياق، لا يبدو السؤال الحقيقي هو لماذا فشلت المفاوضات، بل ماذا سيأتي بعدها—وهل نحن أمام تصعيد مفتوح، أم مجرد فصل جديد في لعبة شد الحبال الطويلة بين واشنطن وطهران؟
ما بعد فشل إسلام آباد: السيناريوهات المفتوحة
بعد انتهاء جولة المفاوضات في إسلام آباد دون اتفاق، وتبادل الاتهامات بين الولايات المتحدة وإيران، لم يعد السؤال ما إذا كانت المفاوضات قد فشلت، بل ما الذي سيأتي بعد هذا الفشل.
المشهد لا يشير إلى مسار واحد، بل إلى شبكة من السيناريوهات المفتوحة، جميعها تتحرك على حافة الانفجار، وتخضع لحسابات دقيقة تتجاوز حدود الطاولة التفاوضية.
أول هذه السيناريوهات هو العودة إلى تصعيد واسع، قد يتجاوز قواعد الاشتباك السابقة، ويضع المنطقة أمام مواجهة أكثر خطورة. هذا الاحتمال لا يهدد الأمن الإقليمي فقط، بل يفتح الباب أمام اضطراب حاد في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاعات غير محسوبة في الأسعار، وهو ما قد يتحول إلى عبء سياسي واقتصادي يصعب على دونالد ترامب احتواؤه داخليًا.
السيناريو الثاني يتمثل في الانزلاق إلى نمط أكثر تعقيدًا: حرب استنزاف طويلة، تُدار عبر عمليات نوعية واغتيالات متبادلة، دون إعلان مواجهة شاملة. هذا النموذج، وإن بدا أقل ضجيجًا، إلا أنه أكثر إنهاكًا على المدى البعيد، ولا يمنح واشنطن انتصارًا واضحًا يمكن تسويقه، بل يُبقيها في دائرة استنزاف مفتوحة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على تحوّل أمريكي نحو فك الارتباط مع مسار التفاوض، مقابل تشديد الحصار البحري والجوي والاقتصادي على إيران، بالتنسيق مع إسرائيل. في المقابل، قد تلجأ طهران إلى رفع مستوى الردع عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز، ما يدفع المنطقة نحو حافة انزلاقات يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.
ورغم قتامة هذه السيناريوهات، لا يمكن استبعاد مسار أكثر هدوءًا، يقوم على تهدئة مؤقتة أو عودة غير مباشرة إلى التفاوض، ربما بوساطة من باكستان، التي قد تلعب دورًا في إعادة جمع الأطراف بعد ملة من رفع السقوف وتبادل الضغوط.
كما يبقى احتمال “تجميد الفشل” قائمًا، حيث يستمر وقف إطلاق النار بشكل هش، بانتظار إعادة إحياء المسار التفاوضي أو الإعلان عن انهياره الكامل.
جوهر الخلاف: ما وراء النووي
تعكس التصريحات الرسمية فجوة عميقة في الرؤية بين الطرفين. فواشنطن تؤكد أنها قدمت “أفضل عرض ممكن”، لكنها لم تحصل على التزام إيراني واضح بوقف التخصيب، فيما تصر إيران على حقها “رحالقانوني” في تطوير برنامج نووي سلمي، وترفض أي تنازل يُفسَّر على أنه تراجع سيادي.
لكن جوهر الخلاف يتجاوز الملف النووي. فالقضية الحقيقية تكمن في إعادة رسم توازنات النفوذ في المنطقة، من التعويضات، إلى الأدوار الإقليمية، وصولًا إلى أمن الممرات الحيوية، وما يرتبط بها من أوراق ضغط متبادلة.
بين منطق الصفقة ومنطق القوة
ما طرحه دونالد ترامب يمكن اختصاره بمنطق الصفقة النهائية: عرض محدد بشروط واضحة، دون مساحة حقيقية للتفاوض. وهي مقاربة تعكس عقلية فرض الشروط أكثر مما تعكس رغبة في الوصول إلى تسوية متوازنة.
في المقابل، ترى طهران أنها لا تتفاوض من موقع ضعف، بل من موقع صمد في وجه الضغط. وتعتقد أن ما راكمته خلال مرحلة التصعيد—في الخليج وعبر امتداداتها الإقليمية—يمنحها قدرة على المناورة، ويجعلها أقل استعدادًا لتقديم تنازلات على الطاولة لم تُفرض عليها في الميدان.
لبنان… على خط الزلزال
أحد أبرز تداعيات هذا الفشل قد يظهر في لبنان، الذي بدأ يلتقط أنفاسه مع مؤشرات التهدئة. فعودة التصعيد ستعيده سريعًا إلى واجهة الاشتباك، خاصة إذا استثمر بنيامين نتنياهو هذا التطور لتأكيد خياره القائم على الحسم العسكري.
وهذا يعني أن لبنان قد يتحول مجددًا إلى ساحة اختبار لتوازنات أكبر منه، في صراع يتجاوز حدوده، ويفتح الباب أمام سيناريوهات مفتوحة على المجهول، رغم كل محاولات التهدئة الرسمية. من
في لحظة تبدو فيها الخيارات مفتوحة على كل الاحتمالات، لا تقف الولايات المتحدة وإيران أمام مفترق طرق بقدر ما تقفان داخل دائرة مغلقة، حيث لا يكفي التصعيد للحسم، ولا يكفي التفاوض للحل.
ما سقط في إسلام آباد قد لا يكون مجرد جولة مفاوضات، بل وهم إمكانية الوصول إلى صفقة سريعة.

اترك ردا

Developed and designed by Websites Builder Ph:0449 146 961