فرحان أحمد
لم تعد أزمة اختيار رئيس وزراء العراق مجرد إشكال دستوري أو خلاف عابر بين الكتل السياسية، بل تحولت إلى ظاهرة مزمنة تُلقي بظلالها الثقيلة على مستقبل الدولة برمّتها. فكل تأخير، وكل تسوية هشة، وكل اختيار قائم على المحاصصة لا الكفاءة، يدفع العراق ثمنه اقتصاديًا وأمنيًا واجتماعيًا، وبكلفة تتراكم بصمت لكنها مدمّرة.
من حيث المبدأ، يُفترض أن يكون رئيس الوزراء نتاج أغلبية سياسية وبرنامج حكومي واضح، إلا أن الواقع العراقي يقول شيئًا مختلفًا تمامًا. المنصب بات نتيجة مساومات، وتقاطعات مصالح، ورسائل طمأنة متبادلة بين قوى متنافسة، أكثر مما هو تعبير عن إرادة شعبية أو رؤية وطنية. والنتيجة رئيس وزراء مقيّد منذ اليوم الأول، عاجز عن اتخاذ قرارات حاسمة خشية انهيار التوازنات التي جاءت به.
التأثير الاقتصادي: دولة بلا بوصلة
الاقتصاد هو أول ضحايا هذا الارتباك السياسي. فغياب حكومة مستقرة وقوية يعني:
تعطّل المشاريع الاستراتيجية.
هروب الاستثمارات الأجنبية.
استمرار الاقتصاد الريعي دون بدائل حقيقية.
تضخم الجهاز الحكومي دون إنتاج.
المستثمر لا يغامر في بلد لا يعرف من يحكمه غدًا، ولا يثق بدولة تتغير أولوياتها مع كل تسوية سياسية. أما المواطن، فيدفع الثمن بطالةً، وغلاء معيشة، وضعف خدمات، رغم وفرة الموارد.
التأثير الأمني: هشاشة القرار وقوة الفوضى
الأمن لا يُدار بالحلول الوسط. رئيس وزراء ضعيف سياسيًا يعني قرارًا أمنيًا مترددًا، ومؤسسات أمنية تخضع للتجاذب، لا لسلسلة قيادة موحّدة. في هذا المناخ:
تتغذى الجماعات الخارجة عن القانون.
يضعف الردع.
يصبح الأمن ردّ فعل لا سياسة استباقية.
وهكذا يبقى العراق في دائرة “الاستقرار الهش”، لا الحرب ولا السلم، وهي أخطر المراحل على الدول.
التأثير الاجتماعي: تآكل الثقة وانفجار محتمل
اجتماعيًا، تُنتج أزمة القيادة شعورًا عامًا باللاجدوى. المواطن يرى أن صوته لا يغيّر، وأن الانتخابات لا تحسم، وأن النخب تعيد إنتاج نفسها. هذا الشعور:
يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
يغذّي الهجرة واليأس.
ويفتح الباب أمام احتجاجات غير متوقعة قد تنفجر في أي لحظة.
فالمجتمع الذي يفقد ثقته بالعملية السياسية، يبدأ بالبحث عن بدائل خارجها، وهذه أخطر إشارة على تآكل الدولة.
الخلاصة
إن أزمة اختيار رئيس الوزراء في العراق ليست أزمة أسماء، بل أزمة نظام تفكير وإدارة دولة. استمرار هذا النهج يعني:
اقتصادًا بلا رؤية.
أمنًا بلا حسم.
مجتمعًا بلا أمل.
العراق لا يحتاج رئيس وزراء “توافقيًا” بقدر ما يحتاج رئيس وزراء مسؤولًا، واضح الصلاحيات، مدعومًا ببرنامج، وخاضعًا للمحاسبة. وما لم يُكسر هذا المسار، فإن كل تأجيل اليوم هو فاتورة أثقل يدفعها العراقيون غدًا… من مستقبلهم، لا من حاضرهم فقط.





