أسماء محمد مصطفى

سرطان البيئة الغبية

أسماء محمد مصطفى

يحيا الذكي حياة مأساوية في بيئة غبية وفاسدة ، تدعم الجاهل وتقدم النماذج السطحية للواجهة على أنها عباقرة ونوابغ وأعلام ونجوم ، فينظر الذكي الى ذكائه على أنه عبء وشيء فائض عن الحاجة في دماغه ويسبب له الحزن والإحباط ، لاسيما إذا كان فقيرا ماديا . وبذلك يعد الذكاء الفردي ـ المقرون بأخلاق عالية ـ من غير قوة داعمة نقمة على صاحبها في بيئة تصدِّر الغباء على أنه سعادة .
وعليه قد يشعر الذكي في مجتمعنا بالغباء وهو يرى ماآلت اليه الأوضاع لأسباب عدّة ، من أهمها إهمال الطاقات العقلية الحيوية بكل ماتنتجه من أفكار علمية وإبداعات فنية وكتابية وحياتية ، ماأدى الى انخفاض معايير التقويم (التقييم) في مختلف مجالات العمل والتعليم والحياة عموماً ، لاسيما إذا أضفنا الى ذلك زحف المحاصصة الحزبية على كل الميادين ـ ما أدى الى أن تضرب أحقية إنسان يتسم بالكفاءة عرض الحائط وهي تسرق الفرصة منه وتمنحها لآخر غير كفء يصدق نفسه كما ينظر الحمار ـ مع احترامي للحمار الحيوان الذي يختلف تماما عن الحمار الإنسان ـ الى المرآة ويرى نفسه أسداً ، ومما يسهم في تفشي وباء الغباء شيوع الفساد حتى في مؤسسات تعليمية فتحنا عيوننا حين كنا صغاراً على أنها تربي أيضا فإذا بها باتت تفسد وتربي بالمقلوب ، وأقصد بعض المدارس لدينا ، حين يسمح المعلم او المدرس لنفسه بمساومة تلاميذه على النجاح لقاء مبالغ مالية معينة ، وهو بهذا الأسلوب يسهم في نجاح الكسول إذا دفع ثمن نجاحه الموهوم الملوث ، ورسوب الذكي والمُجد إذا لم يشتر ِ استحقاقه ، ومن ثم نجد أولئك الكسالى يحتلون مقاعد الأذكياء في الجامعات ومن ثم الوظائف التي يمكنهم شراؤها بينما يكون نصيب الأذكياء بيع (حاجة بربع) على أرصفة العوز ، لعجزهم عن شراء حصتهم من الوظيفة ولعدم توفر وساطات لهم مثلما لاتتوفر لهم فرص عمل مناسبة في القطاع الخاص ، وإن استطاعوا لاصطدموا بوضع يمثل امتدادا لما عانوه في مدارسهم ، فالفساد في القاع كما هو في القمة ، سرطان يتمدد عموديا وأفقيا ، الى البيت والمدرسة ودائرة العمل والشارع ، يقتل الخلايا (الأذكياء والطموحين والمنتجين) تاركا لنا البلد عبارة عن جسد نحيل شاحب يترنح كثيرا قبل موته .
نحن لانغفل وجود كفاءات في مختلف الدوائر والأمكنة وبينها المبادر وغير المبادر ، والظاهر والخفي ، والمتمسك بالمحاولة واليائس ، ولكن في العموم ثمة تمدداً سرطانياً لظاهرة تسيد الأقل كفاءة وعملاً ، ويسهم الإعلام غير المدروس والفرد الجاهل المسطح مسبقا والفرد المنافق المتملق النمام الحاسد في دعم ذلك التمدد وتنميته ، من خلال إبراز الأغبياء والجهلة والفاسدين ـ لاسيما سياسيي المصادفة وعبيدهم ـ بتداول تصريحاتهم وأسمائهم وأعمالهم على أنها نتاجات عبقرية او مؤثرة ، وشيئا فشيئا تنخفض المعايير ويصدق الناس الأكاذيب ومايكون نتاج جهل يؤدي الى مزيد من الجهل الذي يُسقط المجتمع في دوائر لامتناهية من الأمية والخرافة ، وهو مجتمع قد عانى الكثير سابقا ، ولكن هناك من صمدت قيمه الاخلاقية لتأصلها فيه أزاء التحديات وموجات ضرب كل ماهو سليم وحي وإيجابي ، وهناك من سبح مع تيار الفساد والإفساد ، أما لأنه ضعيف قيميا وغير صلب من الداخل ولهذا تغرقه حتى أضعف موجة ، وأما لأنه في الاصل فاسد غير مرئي وكان ينتظر الفرصة ليظهر للملأ على حقيقته .
نعود ونقول .. الذكي المخلص لقيمه الاخلاقية ـ وأشدد على إقران الذكاء بالاخلاق لأن الذكي السلبي يسهم بالفساد وقد يكون هو المخطط له ـ ماذا يحدث له وسط هذا السرطان ؟ قد يصمد ويقاوم المد ويحاول أن يقدم شيئا سواء أانتبه اليه الآخرون بما يكفي او يستحق أم لم ينتبهوا ، او تبنته سلطة مستقلة ما أم لم تفعل ، فهو يعمل لأنه ببساطة حي ، والحياة نبض فكر وفعل ، يُقدم ماعليه ويناضل في معركة الدفاع عن ذكائه الى أن يموت وإن كان قد عاش في المرتبة الأخيرة على الرغم من استحقاقه أن يكون هو من يضع معايير التفوق لا أن يكون ضحية معايير نابتة من منبت الجهل ، وقد يُجمد ذكاءه في ثلاجات الموتى ، لأنّ لاجدوى من أن يكون العقل حيا في بيئة مقفرة لاتسمح حتى ببدء حياة تليق بإنسان يحترم نفسه وعقله .
بعض الأذكياء تمنحهم الحياة فرصة الفرار من البيئة السلبية ، الى فضاء رحب يجدون فيه متنفسا لأفكارهم ، ويتحولون الى أشخاص ناجحين في بيئة غير طاردة للمواهب والمقدرات والطاقات العقلية الإبداعية ، وبعضهم لاتنصفهم الحياة بفرصة فيحاول أن يحفر في الصخر ولكنه لايحاط بإهتمام يناسب أهمية مايقدم فيُحبط لاسيما وهو يرى الأقل ذكاء وكفاءة يُحتفى به أكثر مما يحتفى بسواه ، وقد يرضى بماقسمته الحياة له ، وبعضهم قد تحاول سلطة او جهة فاسدة جذبه اليها لكنها تجابه برفضه الكامل في أن يكون جزءًا من منظومة فاسدة ، وبعضهم قد تقنعه الجهة الفاسدة في تبنيها له فتسرقه من ذكائه وتوظفه لمصلحتها بعد أن تحوله الى طاقة سلبية ، وبعضهم قد يجازف وينتمي الى الجهة الفاسدة على أمل أن يغير شيئا ، لكنه سرعان مايفطن الى غاياتها غير القابلة للإصلاح فيرفض أن يُجند لخدمتها ، وحينئذ تنبذه وتحاربه ، وبعضهم يقضي حياته ميتا في البيئة القاتلة التي يصعب على الذكي المقتدر المبادر الذي لايقبل بالتنازل عن أخلاقياته العالية ولايمتلك وساطة غير عقله وأخلاقه أن يكون في أعلى قمة الهرم ، وفي كلا الحالتين يموت الوطن .. أما آن الأوان ليحيا ونحيا معه ؟!!


اضف رد